بادرت الحكومة في السودان بتوجيه لكمات قوية لبعض القوى السياسية ، بتهم تتعلق بـ دعم التمرد والإرهاب، وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب، وبدأت أولي الضربات بمحاكمة الرموز السياسية في محاولة وصفها بعض المحللين السياسيين بأنها محاولة لإرباك الخصوم السياسيين المدنيين وترهيبهم لإيقاف نشاطهم .
وحملت بعض الصحف خبرا مفاده أن
ان مجمع محاكم الجنايات ببورتسودان يشهد أولى جلسات محاكمة عدد من الشخصيات العسكرية والسياسية السودانية في الدعوى الجنائية رقم (5010/2023)، والتي تضم أكثر من 200 متهماً، على خلفية تهم تتعلق بـ دعم التمرد والإرهاب، وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب، وتقويض النظام الدستوري.
قائمة المتهمين
وتشمل قائمة المتهمين، وفق ما أعلنته النيابة العامة، قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان حميدتي وإخوانه عبد الرحيم والقوني دقلو، بالإضافة إلى شخصيات سياسية بارزة أبرزها رئيس الوزراء الأسبق عبد الله حمدوك، وياسر عرمان، ووجدي صالح عبده، فيما يُجرى محاكمة بعض المتهمين حضورياً وأخرى غيابياً.
وقال رئيس النيابة العامة، رئيس هيئة الاتهام ماهر سعيد، إن الدعوى تعتبر من أضخم القضايا التي باشرتها النيابة بالتنسيق مع الشرطة، مشيراً إلى أن إجراءات التحري استغرقت أكثر من عامين ونصف، شملت جمع وتحليل بينات وقرائن دقيقة، واستخدام مواد متعددة من القانون الجنائي لسنة 1991، وقانون مكافحة الإرهاب لسنة 2001، وقانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لسنة 2014.
وتتعلق التهم الموجهة للمتهمين بالمشاركة في العمليات العسكرية، وارتكاب جرائم ضد المدنيين، وجرائم حرب، وإثارة الحرب ضد الدولة، ومساندة جماعات إرهابية، بحسب ما جاء في خطبة الادعاء الافتتاحية التي استمعت إليها المحكمة برئاسة القاضي محمد سر الختم.
من جانبهم، اعتبر مراقبون وناشطون أن المحاكمات تحمل أبعاداً سياسية واضحة، حيث يستهدف الملف بحسب رأيهم شخصيات معارضة للحرب والديمقراطية المدنية، في حين تشير الحكومة إلى أن الإجراءات تأتي في إطار تطبيق القانون وتحقيق العدالة.
محاولة استهداف
وفي تعليق مبدئي، قال وفد التحالف المناهض للحرب إن الحديث عن هذه المحاكمات قديم، وإن أي موقف نهائي سيتم اتخاذه بعد نقاش داخلي بين حركتهم وحركة صمود والجبهة المناهضة للحرب، مشيراً إلى أن القضية تُظهر محاولة لاستهداف المعارضة السياسية واستغلال القضاء كأداة للانتقام، وأن الحرب لن تنتهي بمحاكمة طرف واحد أو إسكات الأصوات المدنية المعارضة.
وأضافت المصادر أن المحاكمة تشمل إجراءات قانونية واضحة، وأن بعض الشخصيات المستعدة للمثول أمام المحكمة أكدت حرصها على الشفافية أمام الشعب السوداني والمنظمات الإقليمية والدولية المعنية بالعدالة، مع التأكيد على أن حل الحرب لا يتحقق بمحاكمة الخصوم السياسيين، بل يتطلب وقف القتال والتعامل مع الكارثة الإنسانية التي يواجهها المدنيون السودانيون.
متابعة محلية ودولية
وتستمر جلسات المحاكمة في بورتسودان وفق الإجراءات القانونية، وسط متابعة محلية ودولية لما ستسفر عنه، في وقت يشدد فيه المراقبون على ضرورة الفصل بين العدالة الجنائية والسياسة الانتقامية لضمان حقوق المدنيين والحفاظ على مصداقية النظام القضائي السوداني.
نتيجة لهذه التداعيات كتب الأستاذ
ياسر عرمان السياسي المعروف مقال نشرته بعض المنصات وصف فيه الخطوة بأنها ” محاولة لارهاب وإسكات الخصوم السياسيين المدنيين ووقف نشاطهم”
وقال عرمان ان خبراً نشر عن البدء في محاكمة حميدتي واخوانه وحمدوك في بورتسودان بتهم دعم التمرد والارهاب وارتكاب جرائم ضد الانسانية إلى نهاية الحديث المعوج في حق المدنيين، ثم تحدث الخبر عن محاكمة بعض المتهمين حضورياً فيما تجري محاكمة أخرين غيابياً، وفي باب السياسين المحاكمين غيابياً تم ذكر رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، ياسر عرمان، وجدي صالح عبده وآخرون .
وأضاف اتصل بي بعض الصحافيين ومحطات التلفزيونية للتعليق، أود هنا أن أعلق مبدئياً تعليقاً مبدئياً موحداً لجميع المهتمين لهذا الخبر:
بالون اختبار
قال عرمان ان الحديث عن هذه المحاكمات قديم، وإذا كان صحيحاً أو نوع من أنواع الابتزاز أو من بالونات الاختبار، فإن الموقف النهائي منه يحتاج إلى نقاش داخل حركتنا وداخل صمود والجبهة المناهضة للحرب لاتخاذ موقف موحد مشترك.
ثانياً، صياغة الخبر تشير بوضوح إلى ان المقصود هو ارهاب وإسكات الخصوم السياسيين المدنيين ووقف نشاطهم وحضورهم الداخلي والإقليمي والدولي، وهي محاولة بائسة لإرباك أولياتهم ذات طابع سياسي انتقامي، وأن القضاء في نظرهم ما هو إلا اداة لتصفية الخصوم وليس منبراً لتحقيق العدالة وانصاف الضحايا، وهذا هو السبب الرئيسي لاهتزاز الثقة في النظام العدلي منذ ايام الإنقاذ والذي اصبح جزء من النظام السياسي مما أجبر المنظمات الدولية لطلب محاكمة السودانيين في الخارج، لان القضاء فاسد وعبارة عن سلاح سياسي.
خلط مقصود
لفت ياسر عرمان الي محاكم الفريق محمد حمدان دقلو وقال هو قائد الدعم السريع، فكيف يحاكم كداعم للدعم السريع، الخلط هنا مقصود لان المعني ليس دقلو واخوانه أو الأطراف المتحاربة فعلياً مثل قيادة الدعم السريع، انما المقصود هو الشخصيات المدنية والديمقراطية المناهضة للحرب والمعروفة بسعيها المستمر لايقافها، والخلط يكشف نية سياسية مبيتة وواضحة لتجريم العمل السياسي والجبهة المعادية للحرب، بل ابعد من ذلك انه استهداف مباشر لثورة ديسمبر والديسمبريات والديسمبريين، ومحاكمة دكتور أحمد شفا في دنقلا، والمحامي ابوبكر منصور في سنجا، والمحامي محمد عزالدين الذي يقبع في سجن بورتسودان منذ العام الماضي وغيرهم من جرائم واسعة اُرتكبت ضد المدنيين وضد شعبنا خير دليل على ذلك.
رابعاً، رغم علمي بان المقصود من هذه المحاكمة الصورية هو تحويل كل جهد لوقف الحرب وإغاثة الضحايا إلى تأمر ضد الدولة التي لا يغطي ظلها جسد السودان وتحولت لجهاز للحرب والدمار لا لخدمة الناس، مع ذلك اعلن استعدادي للمثول أمام المحكمة في بورتسودان أو الخرطوم بأجراءت قانونية واضحة للشعب السوداني وللمنظمات الاقليمية والدولية المهتمة بشأن العدالة.
الحرب لا تحل بالمحاكمات
خامساً وآخيراً، إن قضية الحرب لا تُحل بان يحاكم كل طرف الطرف الاخر تحت اي شجرة أو مبنى، ولن تنتهي الحرب بإسكات أصوات المناهضين لها، اننا ندعو طرفي الحرب للتوجه بشجاعة لوقفها ومخاطبة الكارثة الانسانية سيما وان الحرب تتحول لحرب اقليمية واسعة تضر بوحدة وسيادة السودان ويدفع ثمنها المدنيين السودانيين، وعلى السلطات التي أعلنت هذه المحكمة ان تستجيب بالمقابل لطلب المحكمة الجنائية بارسال المشير عمر البشير والفريق عبدالرحيم محمد حسين والسيد أحمد هارون إلى لاهاي قبل ان تطلب مثول الآخرين من خصومها للمحاكمة أمامها.
محاولة التمريرعبر إجراء قانوني
فيما قال المحلل السياسي الكاتب الصحفي حيدر المكاشفي ل” نبض” إن التعليق على هذا الخبر، يمكن القول اجمالا إن هذه الخطوة تحمل أكثر من دلالة ولا يمكن اختزالها في تفسير واحد، لكنها تعكس بوضوح طبيعة المرحلة السياسية والقانونية التي يمر بها السودان بعد الحرب، فمن حيث التوقيت وحجم القضية (أكثر من 200 متهم، بينهم قادة عسكريون وسياسيون مدنيون بارزون)، فإن المحاكمة تبدو رسالة سياسية تجري محاولة تمريرها عبر إجراء قانوني. فجمع هذا الطيف الواسع من الخصوم في دعوى واحدة يثير تساؤلا مشروعا حول ما إذا كانت النيابة تسعى فقط لإعادة رسم المشهد السياسي وإقصاء فاعلين بعينهم.
ادراج شخصيات مدنية
ورأى المكاشفي الخطوة يمكن محاولة لتكميم الأفواه، خاصة مع إدراج شخصيات مدنية معروفة بمواقفها السياسية المعارضة للحرب، لم تعرف عنها مشاركة مباشرة او غير مباشرة في أعمال عسكرية. في هذه الحالة، تتحول العدالة من أداة إنصاف إلى أداة ردع سياسي، وهو ما يضعف الثقة في استقلال القضاء حتى لو كانت بعض التهم الموجهة لآخرين (قيادات الدعم السريع) خطيرة ومثبتة. كذلك يمكن قراءة هذه المحاكمة باعتبارها وسيلة ابتزاز سياسي أو ضغط، سواء على المتهمين أنفسهم أو على حواضنهم الإقليمية والدولية، خصوصاً في ظل صراع الشرعيات ومحاولات كسب الاعتراف الخارجي. ففتح ملفات ثقيلة مثل الإرهاب والجرائم ضد الإنسانية تعتقد السلطة القائمة انها توفر لها أوراق تفاوض قوية، حتى قبل صدور أي أحكام.
نهج دائم
وقال الكاتب الصحفي حيدر المكاشفي ل” نبض” بالضرورة لا يمكن استبعاد المحاكمة من أن تكون بالونة اختبار، اختبار لردود الفعل الداخلية (الشارع، القوى السياسية، المؤسسة القضائية) والخارجية (المجتمع الدولي، المنظمات الحقوقية). فإذا واجهت الخطوة رفضا واسعا أو ضغوطا دولية، قد يتم تجميدها أو تفكيكها تدريجيا أما إذا مرت دون كلفة كبيرة، فقد تتحول إلى نهج دائم في إدارة الصراع السياسي.. والخلاصة في تقديري ان هذه المحاكمة تقف عند تقاطع القانون والسياسة والحرب ولا يمكن أن تكون خطوة نحو العدالة الحقيقية، وتبقى فقط كأداة صراع لا كمسار عدالة مهما ادعوا غير ذلك..