تقرير: نبض
بعد أكثر من ألف يوم على اندلاع الحرب في السودان، بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لم يعد النزوح مجرد أرقام في تقارير المنظمات الدولية، بل أصبح واقعًا يوميًا يعيشه ملايين المدنيين من نزوج ولجوء وفقدان المنازل، وجوع الأطفال، وخوف الأمهات على أبنائهن، وسط صمت دولي يتعمق مع مرور الوقت.
عدم اكتراث
معظم قادة العالم يكترثون لقضية السودان التي كادت أن تمحي شعبه من الوجود والدليل على ذلك حديث الرئيس الأميركي
ترامب واعترافه بنفسه، بان الصراع في السودان لم يكن ضمن “مخططاته للمشاركة في حله”، وقال “كنت أظن أن الأمر مجرد شيء مجنون وخارج عن السيطرة”، ولكن ذلك كان قبل قمة البيت الأبيض التي جمعته بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والذي أطلعه على التطورات داخل السودان، وطلب منه التدخل. بعد ذلك، قال ترامب “سنبدأ العمل على السودان”.
حرب مدمرة
الحرب المدمرة التي اندلعت في الخامس عشر من أبريل من العام ٢٠٢٣ م في السودان، لا تُقاس بعدد الأيام، بل بعدد الأرواح التي أزهقت، والمجتمعات التي تفرقت، والآمال التي تبخرت. وبين نيران الصراع وتجاهل العالم، تتكشف واحدة من أعنف المآسي الإنسانية في القرن الحادي والعشرين، وهو واقع يطرح أسئلة حول أسباب الصمت الدولي.
تشير التقديرات إلى أن أكثر من ثلثي سكان السودان بحاجة إلى مساعدات عاجلة، بينما يواصل الصراع تدمير البنية التحتية وانهيار الخدمات الأساسية من الصحة والتعليم إلى الغذاء والمياه النظيفة. ومع ذلك، لا تحظى الأزمة بالاهتمام الكافي على مستوى القرار الدولي، ولا يتناسب التمويل المقدم مع حجم الاحتياجات المتصاعدة، ما يجعل ملايين المدنيين عرضة للخطر يوميًا.
يرى خبراء أن تجاهل السودان ليس نتيجة جهل بما يحدث، بل نتاج تداخل عوامل سياسية وإعلامية واقتصادية. تزايد النزاعات والكوارث في مناطق عدة دفع المجتمع الدولي إلى منح الأولوية للصراعات التي تمس الأمن أو الاقتصاد العالمي مباشرة، بينما تُهمّش أزمات إفريقيا حتى لو كانت كارثية. ضعف التغطية الإعلامية الدولية مقارنة بأزمات أخرى يحجب واقع السودان عن الجمهور العالمي ويقلل الضغط الشعبي على الحكومات لاتخاذ خطوات عاجلة.
أزمة مقعدة
لا ينظر للصراع في السودان كحرب تقليدية بسيطة، بل كأزمة معقدة تتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية، ما يجعل اتخاذ قرار موحد أممي لإنهاء العنف شبه مستحيل. كما يعرقل استمرار العنف وصول المساعدات ويحد من جمع بيانات دقيقة عن حجم الكارثة، مما يزيد من تردد المانحين ويعمّق فجوة التمويل.
بحلول منتصف 2024، وصل عدد القتلى إلى نحو 150 ألف شخص، وبعد مرور عامين اضطر نحو 12 مليون شخص إلى مغادرة منازلهم، بينهم أكثر من 7.7 ملايين نازح داخل البلاد وأكثر من نصفهم أطفال. أما خارج السودان، فقد فرّ نحو 4.1 ملايين شخص بحثًا عن الأمان، بينهم 3.2 ملايين سوداني وحوالي 800 ألف من اللاجئين السابقين.
المواطنين هم الضحايا
حقيقة أن الحرب نشبت بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلا أن المواطنون العاديون هم الذين يدفعون الثمن الأكبر ، بعد انهيار النظام الصحي ونقص الأدوية وارتفاع معدلات الأمراض المعدية مثل الكوليرا والملاريا ترك السكان أمام صراع يومي للبقاء على قيد الحياة، حيث يقف النظام الصحي على حافة الانهيار، والآلاف يعيشون بلا رعاية طبية أو غذاء كافٍ. ووصف ممثل منظمة الصحة العالمية الوضع قائلاً: “ألف يوم من الحرب حولت حياة ملايين السودانيين إلى صراع دائم من أجل البقاء، وسط انهيار شبه كامل للخدمات الأساسية.”
على الرغم من حجم المأساة، يظل السودان خارج دائرة الأولويات العالمية. التغطية الإعلامية المحدودة، وصعوبة وصول الصحفيين إلى مناطق النزاع، والمخاطر التي تواجه فرق الإغاثة، كلها عوامل ساهمت في ترسيخ صورة الحرب السودانية كأزمة منسية.
تجاهل الإعلام العالمي
ويشير خبراء إلى أن تجاهل النزاعات في إفريقيا أمر متكرر، ويعود إلى معايير اختيارية في التغطية الإعلامية وتفضيل الصراعات ذات الأثر المباشر على الأمن الدولي أو الاقتصاد العالمي.
تجاهل العالم لما يجري في السودان ليس جهلًا بالأزمة، بل انعكاس لتوازن الأولويات الدولية بين المصالح السياسية والاقتصادية والإعلامية. وبينما يستمر النزاع في حصد الأرواح وتشريد الملايين، يظل السودان نموذجًا صارخًا لأزمة إنسانية كبيرة لم تنجح بعد في اختراق جدار الصمت العالمي، ما يطرح تساؤلات حول قدرة المجتمع الدولي على تحويل التعاطف إلى حماية فعلية وحلول عاجلة لإنقاذ المدنيين.
إعلام تحكمه اجندات
فيما قال المحلل السياسي ،الصحفي احمد خليل ل” نبض ” إن الأزمة السودانية الآن تُعد من أخطر الأزمات في العالم، بل تفوق في حدّتها كثيرًا من الأزمات الأخرى، مثل أزمة فلسطين أو أزمة أوكرانيا. لكن الإعلام العالمي والعربي، وكذلك الإعلام الإقليمي، تحكمه أجندات محددة تتحرك وفق اعتبارات المصالح. هذه الأجندات ترتبط دائمًا بأهمية المنطقة أو الدولة المعنية.
فأوكرانيا، على سبيل المثال، تمثل أهمية كبيرة للغرب، وكذلك منطقة روسيا، لما تحتويه من غاز ونفط وثروات طبيعية هائلة. لذلك تحظى هذه المنطقة باهتمام إعلامي عالمي واسع، لارتباطها بإمدادات الغاز والنفط، إضافة إلى المحاصيل الزراعية، خاصة القمح والدقيق. ولهذا تُعد منطقة ذات أهمية كبرى وتحظى بحيز إعلامي كبير.
أدوات مؤثرة
ولفت خليل إلى أن المنطقة العربية معروفة بأن الصراع الإسرائيلي يحتل أولوية إعلامية، نظرًا لأهمية إسرائيل ونفوذها الإعلامي، حيث تمتلك أدوات مؤثرة في توجيه الإعلام العالمي وتحريكه.
في المقابل، فإن الأزمة والكارثة الإنسانية في السودان كبيرة جدًا، إذ يعاني ملايين اللاجئين والنازحين داخل السودان، فضلًا عن الذين اضطروا إلى الخروج خارجه. وحتى اللاجئون السودانيون في الخارج يعيشون أوضاعًا إنسانية سيئة للغاية، خاصة بعد إيقاف بعض المساعدات، وتراجع دور المؤسسات الدولية العاملة في مجال حقوق الإنسان والعمل الإنساني والإغاثي.
وبالتالي يواجه السودانيون صمتًا عالميًا وتجاهلًا إعلاميًا، رغم حجم القتل والدمار الحاصل. وكان من المفترض أن يكون تحريك الإعلام إحدى المهام الأساسية للقوى المدنية الرافضة للحرب والساعية إلى إيقافها. فأي قوة مدنية تعلن رفضها للحرب وتسعى لوقفها، يفترض بها أن تعمل على تحريك الإعلام العالمي في هذه المرحلة.
ولو لاحظنا مؤخرًا، هناك بعض التحركات، مثل الزيارات التي قام بها تحالف «صمود» إلى أوروبا، والتي بدأت في بعض العواصم. هذه الزيارات تحرك الإعلام إلى حد ما، لكنها لا تزال غير كافية. المطلوب هو تنظيم فعاليات كبيرة في أوروبا، لتحريك الرأي العام الأوروبي وحشده ضد هذه الحرب والعمل على إيقافها.
غرابة في الأمر
وقال الصحفي أحمد خليل إن الغريب فيما يحدث أن بعض السودانيين الذين لجؤوا إلى أوروبا واحتموا بالدول الأوروبية الديمقراطية هربًا من بطش العسكر والديكتاتوريات، خرجوا في مظاهرات تؤيد الحرب واستمرارها، وتدعم قتل السودانيين. كما أن عددًا منهم يمارس خطاب الكراهية عبر ما يُعرف بالناشطية الرقمية، وهو أحد الأسباب التي تجعل الإعلام الأوروبي مترددًا أو غير متحمس للتعاطي مع القضية السودانية.
وفي النهاية، فإن الخطاب الإنساني وحده لا يكفي لتحريك القضايا في الإعلام العالمي، إذ تظل المصالح الإعلامية والاقتصادية هي العامل الأكثر تأثيرًا في توجيه الاهتمام الدولي.