آدم الحاج أديب..يكتب قراءة في تحديات استقلال القضاء، وحق كل متهم فى محاكمة عادلة، ودور المنظمات الحقوقية في حماية ضمانات العدالة في السودان مركز شركاء التغيير والمستقبل للدراسات الاستراتيجية الأربعاء 1 يوليو 2026 لا تقوم الدولة على القوة وحدها، وإنما تقوم قبل ذلك على العدالة. وحين يفقد المواطن ثقته في القضاء، أو تتولد لديه قناعة بأن العدالة أصبحت عرضة للتأثيرات السياسية أو العسكرية أو الاجتماعية، فإن الدولة تكون قد دخلت أخطر مراحل أزماتها، لأن انهيار الثقة في العدالة هو بداية انهيار الثقة في كل المؤسسات. لقد أثارت محاكمة الدكتور أحمد الشفا نقاشًا واسعًا في الأوساط القانونية والحقوقية، كما أعادت طرح أسئلة جوهرية حول استقلال القضاء في السودان في ظل حالة الاستقطاب الحاد التي تعيشها البلاد. وقد ربط كثير من المراقبين بين أجواء المحاكمة وبين الحضور المؤثر لكتائب البراء بن مالك في المشهد العام، الأمر الذي عزز المخاوف من تمدد تأثير القوى المسلحة إلى فضاءات يفترض أن تظل محصنة بالقانون والدستور. إن العدالة لا يمكن أن تزدهر في بيئة يختلط فيها صوت القانون بضجيج السلاح. فالقاضي لا ينبغي أن يشعر بضغط الجماهير، ولا بسطوة السلطة، ولا بنفوذ الجماعات المسلحة، لأن القضاء الذي يخضع لأي تأثير يفقد جوهر رسالته، ويتحول من ميزان للحقوق إلى أداة في صراع القوى. وفي ذات السياق، تداولت وسائل التواصل الاجتماعي مقطعًا مؤثرًا لابنة المواطن محمد جمعة، التي تحدثت عن توقيف والدها، وهو رجل تجاوز السبعين من عمره ويعاني من أمراض مزمنة، استنادًا إلى ما يعرف بقانون “الوجوه الغريبة”. وإذا كانت هذه الوقائع صحيحة، فإنها تمثل جرس إنذار خطيرًا، لأن العدالة لا تُبنى على الانتماءات القبلية أو الجهوية، ولا على الاشتباه الجماعي، وإنما على المسؤولية الفردية والأدلة القانونية والإجراءات السليمة. إن الدول لا تنهار فقط بالحروب، بل تنهار أيضًا عندما يشعر الناس بأن العدالة لم تعد متاحة للجميع على قدم المساواة. فحين يُنظر إلى القضاء باعتباره ساحة لتصفية الخصومات السياسية أو لتثبيت موازين القوة، يفقد المواطن ملاذه الأخير، وتتسع دائرة الإحباط والاحتقان. ومن هنا تبرز مسؤولية المنظمات الحقوقية الوطنية والإقليمية والدولية، ليس فقط في رصد الانتهاكات، بل في مراقبة المحاكمات ذات الأهمية العامة، والدفاع عن ضمانات المحاكمة العادلة، وحماية استقلال القضاء والنيابة، والتصدي لأي محاولة لتحويل العدالة إلى أداة للصراع السياسي. إن الدفاع عن استقلال القضاء ليس دفاعًا عن شخص أو جماعة أو تيار سياسي، وإنما دفاع عن حق المجتمع كله في العدالة. فالدولة التي تنتصر للقانون هي وحدها القادرة على بناء السلام والاستقرار، أما الدولة التي يُنظر إلى قضائها على أنه خاضع لضغوط السياسة أو السلاح، فإنها تخسر ثقة مواطنيها قبل أن تخسر أي معركة أخرى. ولذلك فإن معركة السودان الحقيقية اليوم ليست فقط معركة إنهاء الحرب، بل معركة استعادة العدالة، لأن السلام بلا عدالة هش، والدولة بلا قضاء مستقل مجرد سلطة تفتقد أحد أهم مصادر مشروعيتها. شارك تصفّح المقالات حين تصبح العودة إلى الوطن شرطا للبقاء في الوظيفة