آدم الحاج أديب…يكتب في المشهد السوداني المعقد، لم تعد “الهدنة” مجرد التقاط للأنفاس لأسباب إنسانية، بل تحولت إلى أداة تكتيكية بامتياز. ويثور التساؤل الملحّ هنا: هل تُصمم هذه الهدن لمنع سقوط حواضر استراتيجية ومدن ذات ثقل تاريخي؟ أم أن الغرض منها هو التدخل الجراحي لإعادة ضبط “موازين القوى” كلما مال كفّ طرف على آخر، لإبقاء الصراع في حالة تعادل صفري ممتد؟ أولاً: أزمة الثقة المركّبة وتمزق الأجندة الوطنية انحدرت الكارثة الحالية من أزمة ثقة بنيوية متعددة المستويات عطلت بوصلة الدولة مبكراً. هذا التشظي الحاد والعميق عسكرياً وسياسياً تسبب ما قبل الحرب في تفتيت الأجندة الوطنية؛ فاختُزلت قضايا التأسيس الكبرى (الدستور، والعدالة الانتقالية، والسلام المستدام) في إدارة الأزمات اليومية والاتفاقات الإطارية التي حملت بذور فنائها لغياب الإرادة الصادقة في التنفيذ. أما ما بعد الحرب، فقد تعمقت الأزمة إلى حد الهوة السحيقة، وتبخرت الأجندة الوطنية بالكامل لصالح أجندات البقاء والمغالبة الصفرية، مما أدى إلى تآكل السيادة وفتح الباب على مصراعيه للإرادات الدولية والإقليمية للتحكم في المشهدين العسكري والسياسي. وبناءً على ذلك، صِيغت فرضيات الحلول بحسب ما تقتضيه مصلحة المجتمع الدولي والقوى الإقليمية، لا بحسب مصلحة السودان والسودانيين. ثانياً: جغرافيا الحصار ومفاوضات “الغرف المغلقة” تظهر في مسار الحرب ملاحظة بالغة الريبة: كلما طُوقت مدينة ذات بعد حضاري ودلالة تاريخية، وارتفعت احتمالية تغير خطوط السيطرة فيها، تنشط فجأة مسارات تفاوض موازية بشروط محددة، كما جرى في لقاءات المنامة والقاهرة. وفي حين ينشط الإعلام الإقليمي والمحلي الموجه في الترويج المكثف لبنود هذه الهدد ومدتها وموافقة حكومة بورتسودان عليها، يلوذ الطرف الآخر (الذي يعرّف نفسه كـ”حكومة تأسيس”) بصمت مطبق. هذا الغياب لأي موقف أو تصريح يوازي حجم الحدث يثير تساؤلات مشروعة؛ فإما أن هذا الطرف بات مغيباً وتُملى عليه الاتفاقات كأمر واقع دون حق النقاش، أو أنه يمارس غموضاً مقصوداً لإرباك المشهد الداخلي وتفادي الالتزامات العلنية. ثالثاً: هندسة “الحرب الانتقامية” وازدواجية التمليش إن جذور تعقيد المشهد تكمن في الدور المحوري لتيار الإسلاميين (النظام البائد) وسيطرتهم على قرار القوات المسلحة، وتسميمهم للحياة السياسية بشعارهم الصفري: “إما أن نحكمكم.. أو نقتلكم”. وما هذه الحرب في جوهرها إلا عقاب جماعي للشعب السوداني الذي ثار ضد حكمهم العضوض. وهنا تبرز الازدواجية الفاضحة؛ إذ يدعي الخطاب الحالي محاربة “المليشيا”، في حين يمثل هذا التيار المصنع التاريخي للتمليش في السودان، مستمراً في تفريخ نسخ متحورة من كتائب الظل والمستنفرين، ومشرعاً لقوانين أمنية تملأ السجون بالمواطنين الأبرياء وتخلي سبيل المجرمين والقتلة لتوظيفهم في الصراع. إن التناقض الأكبر يكمن في تغاضي المؤسسات العدلية الدولية عن جرائم هذا التيار، وترك رموزه المطلوبين دولياً طلقاء أحراراً يخططون ويمولون لاستمرار الحرب تحت حماية قيادة الجيش؛ وهي ذات القيادة التي قننت وعززت سابقاً قوات الدعم السريع بمرسوم دستوري عندما كانت تخدم مصالحها، قبل أن تعلن الحرب عليها وتدمر البلاد عندما خرجت عن الطوع. رابعاً: معادلة القوة ومواجهة الانحياز الإقليمي إن السياسة الدولية لا تعترف إلا بالقوي؛ وإذا أرادت حكومة الوحدة والسلام (تأسيس) فرض رؤيتها لإنقاذ البلاد، فعليها كسر شوكة بندقية التطرف وتحرير ما تبقى من مدن يختبئ فيها تيار النظام البائد، الذي اختار بوعي كامل التحالف مع أعتى النظم الإقليمية تطرفاً (إيران)، بل وتواترت التقارير عن استخدامه مواد ذات تأثيرات كيميائية وسط الأحياء السكنية المكتظة في الخرطوم. كذلك، يتحتم على حكومة الوحدة والسلام اتخاذ موقف حاسم وصارم من المنصات الدولية والإقليمية (كالرباعية والخماسية)، لطالما أن قراراتها مرتهنة لمحور إقليمي يضم (مصر، السعودية، قطر، وتركيا)؛ وهي دول تفتقر لأدنى قيم الحياد، وتتراوح مواقفها بين الدعم السياسي واللوجستي لجنرالات النظام القديم، أو هندسة تسويات تضمن مصالحها الجيوسياسية الخاصة على حساب دماء السودانيين. ختاماُ: نحو السودان الجديد إن معركة التغيير الحقيقية لا يمكن أن تُبنى على الترقيع السياسي أو إعادة تدوير ذات الوجوه الأيديولوجية ومحاورها. وبدون بناء معادلة قوة سودانية خالصة تقطع مع النفاق والتلفيق، ستظل الهدن مجرد مسكنات موقتة لإطالة أمد المعاناة. المخرج الوحيد هو وضع حجر أساس لـ “سودان جديد” يحكمه دستور دائم قائم على قواعد المواطنة المتساوية، والتحديد الصارم للحقوق والواجبات، مع تفكيك وإعادة بناء المؤسسة العسكرية وفق عقيدة وطنية واحدة، خالية من الاختراقات الأيديولوجية وبعيدة تماماً عن تكتيكات التمليش. وبغير هذا الحسم، ستظل المدن تسقط، وتتغير موازين القوى لصالح الجميع… ما عدا الشعب السوداني. شارك تصفّح المقالات مثلث أمان السودان، وكروت ضماناته إلى الأبد؟!