اسماعيل يونس…يكتب

 

مرّ السودان، خلال السنوات الثلاث التي أعقبت اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، بمنعطفات كبيرة وخطيرة أصابت بنيته التحتية، وشعبه، وموارده، وهيكل الدولة ومؤسساتها، نتيجة الصراع العسكري الكبير بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وهما القوتان العسكريتان الرئيسيتان في البلاد.

بدأ الصراع في بدايته وسط ترقّب وأمل بإمكانية إيقافه سريعًا، إلا أنه سرعان ما استفحل واتسع نطاقه، حتى تجاوز البعد الداخلي وأصبح للقضية السودانية بُعد إقليمي ودولي واضح.

من الداخل إلى الخارج

أقرّ عدد من السودانيين، ومن بينهم ضباط في الجيش نفسه، بوجود ضباط مرتبطين بتنظيم الحركة الإسلامية، ورأوا في ذلك أحد العوامل التي ساهمت في إشعال الحرب. ومع تطور الأحداث، تبنّت قيادة الجيش الحرب بصورة واضحة، الأمر الذي أدى إلى استمرارها وتصاعد حدتها.

ومع استمرار القتال، بدأ التدخل الخارجي يأخذ أشكالًا متعددة.

فقد اتهمت قوات الدعم السريع الطيران المصري بقصف مواقع تابعة لها، إضافة إلى استهداف البنية التحتية والسكان، بينما اتهم الجيش السوداني دولة الإمارات بالانحياز إلى قوات الدعم السريع وتقديم الدعم العسكري واللوجستي لها.

وفي مراحل لاحقة، برزت مواقف داعمة للجيش من جانب السعودية وتركيا وباكستان، سواء سياسيًا أو عبر أشكال مختلفة من الدعم العسكري واللوجستي. كما اتهم الجيش دولًا مثل إثيوبيا وتشاد بتقديم الدعم لقوات الدعم السريع وتوفير بعض المعينات المرتبطة بالحرب.

وهنا يبرز سؤال أساسي:

في ظل هذا التداخل الإقليمي والدولي، أيّ أشكال التدخل الخارجي يمكن اعتباره أقرب إلى مساعدة الدولة السودانية؟ وهل يمكن وضع الإمارات وإثيوبيا في كفة واحدة، ومصر والسعودية وتركيا وباكستان في الكفة الأخرى؟

الإمارات وإثيوبيا: المصالح والعلاقات الإقليمية

من الواضح أن التدخل الإماراتي والإثيوبي، وفق هذه الرؤية، يمكن تفسيره في إطار علاقات سياسية واقتصادية ومصالح إقليمية متشابكة.

فالإمارات أعلنت منذ وقت مبكر موقفًا معلنًا ضد الإرهاب والجماعات المصنفة إرهابية حول العالم، وهو موقف لم يتغير من حيث المبدأ. كما أن العلاقات الاقتصادية، وإقامة المشروعات والاستثمارات وفق قواعد التبادل والمصالح والقانون الدولي، تُعد من طبيعة العلاقات المعروفة بين الدول.

أما إثيوبيا، فإن أي تدخل لها في الشأن السوداني يمكن النظر إليه، وفق هذا التحليل، باعتباره في بعض الحالات رد فعل على سياسات سودانية سابقة أو محاولة للدفاع عن مصالحها وأمنها القومي.

فالعلاقات السودانية الإثيوبية ظلت، على مدى عقود، متأثرة بالتوترات الإقليمية، وخصوصًا تلك المرتبطة بالعلاقة بين السودان ومصر وملفات الحدود والمياه وسد النهضة.

ومن هذا المنظور، فإن تدخل إثيوبيا في الشأن السوداني قد يكون، في بعض الحالات، نتيجة مباشرة للسياسات التي تتخذها السلطة القائمة في السودان، وليس بالضرورة مشروعًا منفصلًا عن تلك السياسات.

مصر والسودان: المصالح التاريخية

أما مصر، فتبدو مصالحها في السودان أكثر ارتباطًا بالموارد والنفوذ السياسي وملف مياه النيل.

أن القاهرة تفضّل أن يبقى السودان في حالة ضعف سياسي واقتصادي تسمح لها بالحفاظ على نفوذ واسع داخل البلاد، والاستفادة من موارده، وخاصة المواد الخام والثروة الحيوانية والموارد الزراعية.

كما أن ملف النيل يمثل أحد أهم عناصر العلاقة بين البلدين. فاستقرار السودان وامتلاكه قرارًا سياسيًا واقتصاديًا مستقلًا يمكن أن يغير من طبيعة معادلة النفوذ في حوض النيل.

ومن القضايا التي تستحق الوقوف عندها أيضًا وجود مؤسسات ومصالح مصرية ممتدة داخل السودان، ومن بينها مؤسسات مرتبطة بالري والمياه، وهي قضية تثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين المصالح المصرية ومؤسسات الدولة السودانية.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم حساسية القاهرة تجاه أي نفوذ إقليمي آخر داخل السودان، بما في ذلك النفوذ السعودي.

 

السعودية والبحر الأحمر

أما السعودية، فالمسألة لا تتعلق بالسودان وحده، وإنما ترتبط أيضًا بالتوازنات الاستراتيجية في منطقة البحر الأحمر.

أن وجود سودان مستقر وقادر على بناء دولة ومؤسسات قوية قد يغيّر موازين القوى في المنطقة وهذا يشكل مصدر قلق للسعودية، خصوصًا أن السودان يمتلك موقعًا استراتيجيًا مهمًا على البحر الأحمر، إضافة إلى موارده الطبيعية.

ومن الملفات التي تستحق الدراسة مستقبلًا إمكانات السودان النفطية والمعدنية والاقتصادية في منطقة البحر الأحمر، وما يمكن أن يترتب على استثمارها من تغير في موازين المصالح الإقليمية.

فالسودان ليس مجرد دولة تقع على الضفة الغربية للبحر الأحمر؛ بل يمثل امتدادًا استراتيجيًا للقارة الأفريقية، وهو ما يجعل استقراره أو عدم استقراره قضية تتجاوز حدوده.

وبالتالي، أن بعض القوى الإقليمية كالسعودية تفضّل استمرار حالة الضعف وعدم الاستقرار، لأنها تتيح لها مساحة أكبر للتأثير والنفوذ.

تركيا وباكستان: البعد الأيديولوجي والاقتصادي

أما تركيا وباكستان، فتبدو الصورة أكثر ارتباطًا، وفق هذا التحليل، بالبعد الأيديولوجي والسياسي، وخصوصًا ما يتعلق بعلاقات الإسلام السياسي والتنظيمات العابرة للحدود.

وجود صلات بين مواقف بعض القوى الخارجية وبين شبكات سياسية واقتصادية مرتبطة بالتنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين بالسودان، وما يُثار حول الأموال السودانية التي خرجت من البلاد خلال العقود الماضية.

ويُضاف إلى ذلك أن السودان كان، قبل انفصال جنوب السودان، يمتلك موارد نفطية كبيرة، فضلًا عن الثروة الزراعية والحيوانية والتجارة المرتبطة بها.

ومن هنا تبرز أسئلة مهمة حول مصير عائدات تلك الموارد، وحجم الأموال التي خرجت من السودان، والجهات التي استفادت منها، ومدى ارتباط ذلك بشبكات سياسية واقتصادية داخلية وخارجية.

 

السودان بين التدخلات الخارجية

 

في النهاية، لا يمكن فهم الحرب السودانية بمعزل عن محيطها الإقليمي والدولي.

فالصراع، الذي بدأ بين قوتين عسكريتين داخل السودان، تحوّل تدريجيًا إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح دول عديدة، لكل منها حساباتها السياسية والاقتصادية والأمنية والاستراتيجية.

لكن السؤال الأهم لا ينبغي أن يكون فقط: من يدعم الجيش؟ ومن يدعم الدعم السريع؟

بل يجب أن يكون:

من يدعم قيام دولة سودانية مستقلة وقوية، تمتلك قرارها السياسي والاقتصادي، وتسيطر على مواردها وحدودها ومؤسساتها؟

فالسودان، في نهاية المطاف، لا يحتاج إلى استبدال نفوذ خارجي بنفوذ خارجي آخر، وإنما يحتاج إلى دولة قادرة على حماية مصالحها الوطنية، وإدارة مواردها، وبناء مؤسساتها، ومنع تحويل أراضيها ومواردها إلى ساحة صراع إقليمي ودولي.

وهنا تكمن القضية الحقيقية: هل يستطيع السودانيون بناء مشروع وطني مستقل يخرج بالبلاد من دائرة الوصاية والنفوذ الخارجي، أم ستظل الحرب وسيلة لإعادة توزيع النفوذ والثروة داخل السودان وخارجه؟

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *