نجم الدين دريسة..يكتب

 

لم تعد الحرب السودانية مجرد صراع على السلطة بين قوى متنافسة وإنما أصبحت مرآة كاشفة لأزمة الدولة نفسها فقد أظهرت الحرب هشاشة البناء الوطني واختلال توزيع السلطة والثروة وتغول المركز وتعدد مراكز القوة وتحول المؤسسة العسكرية إلى لاعب سياسي وانكشاف المجتمع أمام عنف الدولة والسلاح ولذلك فإن إنهاء الحرب لا يمكن أن يكون نهاية سياسية للصراع وحدها وإنما يجب أن يكون بداية لتغيير القواعد التي جعلت الحرب ممكنة وأبقت السودان أسيراً لدائرة الانهيار المتكرر

 

من هذه الزاوية تبرز رؤيتا صمود وتأسيس باعتبارهما محاولتين مدنيتين للإجابة عن سؤال السودان الجديد لا يتطابق المشروعان في كل التفاصيل ولا ينطلقان من المنهج ذاته لكنهما يلتقيان عند قاعدة مركزية تقول إن السودان لا يمكن أن يستعيد عافيته بإعادة إنتاج الدولة التي أنتجت أزماته وأن السلام الحقيقي لا يقاس بصمت المدافع وحده وإنما بقدرة الدولة الجديدة على معالجة جذور الصراع وبناء نظام سياسي يمنع عودة الاستبداد والانقلاب والتهميش

 

صمود يضع إنهاء الحرب واستعادة المسار المدني الديمقراطي في مقدمة مشروعه ويربط ذلك بحماية المدنيين وفتح الممرات الإنسانية وإعادة النازحين واللاجئين وبناء مؤسسات دولة تخضع للسلطة المدنية الدستورية وتقوم على المواطنة المتساوية والحكم اللامركزي وهو تصور يسعى إلى إخراج السودان من منطق القوة المسلحة إلى منطق السياسة والمؤسسات ويضع الديمقراطية باعتبارها الطريق لاستعادة الشرعية بينما يجعل إصلاح بنية الدولة وإعادة ترتيب العلاقة بين المدني والعسكري مدخلاً أساسياً لاستقرار البلاد

 

أما تأسيس فيذهب إلى مستوى أكثر جذرية في تشخيص الأزمة فهو لا يكتفي بإعادة بناء المؤسسات وإنما يطرح إعادة تأسيس الدولة على قواعد دستورية وسياسية جديدة تقوم على العلمانية والديمقراطية واللامركزية والفيدرالية الواسعة والمواطنة المتساوية وفصل الدين عن مؤسسات الدولة ويعكس هذا التصور قناعة بأن الأزمة السودانية ليست مجرد خلل في إدارة الدولة وإنما نتيجة لبنية تاريخية جعلت المركز يحتكر القرار والثروة وجعلت الهوية والدين أدوات قابلة للتوظيف في الصراع على السلطة

 

ورغم اختلاف اللغة والمنهج فإن المشتركات بين صمود وتأسيس تشكل مساحة واسعة يمكن أن تكون قاعدة لتوافق مدني سوداني جديد فكلاهما يدعو إلى إنهاء الحرب وحماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية وعودة النازحين واللاجئين وبناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية وكلاهما يرى ضرورة إنهاء التعدد العسكري وبناء جيش قومي مهني يخضع للسلطة المدنية وكلاهما يربط السلام بالعدالة وإعادة الإعمار والتنمية ومحاربة الفساد وإعادة توزيع الموارد بصورة أكثر عدلاً بين المركز والأقاليم

 

المشترك الأهم بين المشروعين هو أن الدولة المقبلة لا ينبغي أن تكون مجرد نسخة محسنة من الدولة القديمة فصمود يريد استعادة المسار المدني وإعادة بناء مؤسسات الدولة على قواعد الديمقراطية بينما يرى تأسيس أن الاستعادة وحدها قد لا تكون كافية وأن المطلوب إعادة تأسيس البنية السياسية والدستورية للدولة ومع ذلك فإن الاتجاهين يلتقيان في رفض احتكار السلطة وفي ضرورة إخضاع المؤسسات العسكرية للمدنيين وفي اعتماد المواطنة معياراً للحقوق وفي الاعتراف بأن المركزية التاريخية كانت أحد منابع الأزمة السودانية

 

وفي مسألة المركز والهامش تبدو الرؤيتان أكثر قرباً من بعضهما من أي ملف آخر فالحكم اللامركزي والفيدرالي ليسا مجرد ترتيبات إدارية وإنما يمثلان محاولة لإعادة توزيع السلطة السياسية والاقتصادية على قاعدة المشاركة الحقيقية وتأسيس علاقة جديدة بين المركز والأقاليم ويمنح تأسيس هذه المسألة مساحة أوسع حين يدعو إلى فيدرالية واسعة تمتلك فيها الأقاليم والمحليات سلطات تشريعية وتنفيذية واقتصادية حقيقية بينما يركز صمود على تمكين الأقاليم والمحليات وتفكيك هيمنة المركز

 

ويظهر الاختلاف الأعمق عند سؤال طبيعة الدولة فصمود يطرح دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية والمؤسسات الدستورية بينما يعلن تأسيس بوضوح أكبر عن دولة علمانية ديمقراطية تفصل الدين والهوية الثقافية والإثنية عن مؤسسات الدولة وهذا الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى معركة جديدة حول الهوية وإنما إلى نقاش دستوري هادئ حول كيفية ضمان حرية الاعتقاد والمساواة أمام القانون ومنع استخدام الدين أو العرق أو الجهة وسيلة لاحتكار الدولة أو إقصاء الآخرين

 

وفي الملف العسكري يلتقي المشروعان عند حقيقة حاسمة وهي أن السودان لا يستطيع أن يبني ديمقراطية مستقرة في ظل تعدد الجيوش ومراكز القوة المسلحة فكلاهما يدعو إلى جيش قومي مهني موحد وإلى إنهاء النشاط السياسي والاقتصادي للمؤسسات العسكرية والأمنية غير أن تأسيس يذهب بصورة أكثر جذرية حين يتحدث عن تأسيس مؤسسة عسكرية وأمنية جديدة بعقيدة وطنية تحمي الدستور والحدود بينما يركز صمود على إصلاح المنظومة ودمج وتوفيق أوضاع القوى المسلحة وتفكيك المليشيات والتشكيلات العسكرية

 

ولا تقل العدالة أهمية عن إنهاء الحرب في كلا المشروعين فالسلام الذي يتجاهل حقوق الضحايا يظل سلاماً هشاً قابلًا للانفجار والعدالة التي تتحول إلى انتقام سياسي تفقد معناها ولذلك يلتقي صمود وتأسيس على ضرورة محاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة وجبر الضرر وتعويض المتضررين وإعادة بناء المناطق المنكوبة غير أن التحدي الحقيقي يكمن في إنشاء عدالة مستقلة لا تخضع لموازين القوة ولا تنتقي الضحايا والجناة ولا تمنح حصانة لمن امتلك السلاح أو السلطة

 

وفي الاقتصاد يتجاوز المشروعان فكرة إعادة الإعمار بمعناها الضيق إلى ضرورة بناء نظام تنموي أكثر عدالة فالسودان لا يمكن أن يحقق سلاماً دائماً بينما تبقى مناطق الإنتاج محرومة من ثمار مواردها وتظل مناطق الحرب تدفع وحدها تكلفة النزاعات ولذلك فإن القسمة العادلة للثروة وإعطاء المناطق الأقل نمواً والمتضررة تاريخياً أولوية حقيقية يمثلان جزءاً من صناعة السلام وليس مجرد سياسة اقتصادية لاحقة كما أن مكافحة الفساد واستعادة الخدمات والبنية التحتية شرط لاستعادة ثقة المواطن بالدولة

 

الفارق الجوهري بين صمود وتأسيس يمكن اختزاله في سؤال واحد هل المطلوب إصلاح الدولة أم إعادة تأسيسها صمود يبدو أقرب إلى مشروع استعادة الدولة المدنية الديمقراطية وإصلاح مؤسساتها بينما يحمل تأسيس تصوراً أكثر راديكالية يرى أن الدولة التي أنتجت الاختلالات التاريخية تحتاج إلى إعادة بناء دستورية ومؤسسية شاملة وهذا الاختلاف في تقدير عمق الأزمة لا يلغي إمكانية التلاقي وإنما يجعل الحوار بين المشروعين ضرورة لأن السودان يحتاج إلى أوسع مساحة اتفاق حول القواعد الكبرى للدولة الجديدة

 

إن قيمة أي مشروع سياسي سوداني لن تقاس بجمال مواثيقه ولا بقوة شعاراته وإنما بقدرته على تحويل المبادئ إلى مؤسسات قادرة على البقاء فالمدنية تحتاج إلى مؤسسات تحميها والديمقراطية تحتاج إلى دستور يحكمها والفيدرالية تحتاج إلى موارد وسلطات حقيقية والعدالة تحتاج إلى قضاء مستقل والجيش المهني يحتاج إلى عقيدة دستورية والاقتصاد العادل يحتاج إلى قواعد شفافة ولذلك فإن الامتحان الحقيقي أمام صمود وتأسيس هو قدرتهما على الانتقال من لغة الرؤية إلى صرامة البناء ومن الوعد السياسي إلى الواقع المؤسسي

 

ربما يكون أعظم ما تفرضه هذه اللحظة على القوى المدنية هو تجاوز سؤال من يمتلك الرؤية الأكثر صواباً إلى سؤال من يستطيع صناعة المساحة المشتركة التي تمنع إعادة إنتاج المأساة فالسودان لا يحتاج إلى تطابق كامل بين مشاريعه السياسية وإنما يحتاج إلى عقد وطني واسع يجمع المختلفين حول إنهاء الحرب والمواطنة والديمقراطية والعدالة واللامركزية وخضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية ثم يترك ما تبقى من التفاصيل للاجتهاد السياسي والدستوري ولإرادة السودانيين عبر مؤسسات ديمقراطية حقيقية

 

إن المعركة الحقيقية بعد الحرب لن تكون حول من يجلس في مقعد السلطة وإنما حول طبيعة الدولة التي سيجلس داخلها فإما أن تعود الدولة القديمة بأسماء جديدة ووجوه جديدة وتحالفات جديدة وإما أن تكون هذه الحرب نقطة فاصلة في التاريخ السوداني تفتح الطريق أمام دولة لا يحكمها السلاح ولا يحتكرها المركز ولا تختطفها الأيديولوجيا ولا تتحول فيها المؤسسات العسكرية إلى سلطة فوق الدستور وفي هذه المسافة تحديداً تلتقي رسالة صمود مع طموح تأسيس في البحث عن سودان يستطيع أن يعيش دون أن يعيد إنتاج الحرب

 

السودان لا يحتاج إلى تسوية تعيد ترتيب مواقع القوى داخل النظام القديم وإنما يحتاج إلى تحول يعيد تعريف معنى الدولة نفسها ولا يحتاج إلى هدنة تمنح الأطراف فرصة لالتقاط الأنفاس ثم العودة إلى الصراع وإنما يحتاج إلى سلام يعالج أسباب الانفجار ولا يحتاج إلى مركز أكثر لطفاً مع الأقاليم وإنما يحتاج إلى دولة تجعل الأقاليم شركاء أصيلين في القرار والثروة ولا يحتاج إلى جيش ينتصر في السياسة وإنما إلى جيش يحمي الدستور ولذلك فإن مستقبل السودان يبدأ حيث تنتهي دولة الغلبة

 

وفي النهاية فإن صمود وتأسيس يقفان أمام سؤال يتجاوز حدود التحالفين معاً وهو كيف يتحول السودان من دولة تنتج الأزمات إلى دولة تنتج الاستقرار وكيف يصبح الاختلاف السياسي وسيلة للتنافس الديمقراطي لا وقوداً للحرب وكيف تصبح المواطنة رابطة وطنية تتقدم على كل الانتماءات وكيف يصبح الجيش مؤسسة وطنية لا سلطة سياسية وكيف تصبح الثروة أداة للتنمية لا سبباً للصراع فإذا نجح السودانيون في الإجابة عن هذه الأسئلة فإنهم لن يكونوا قد أوقفوا حرباً فقط وإنما يكونون قد بدأوا كتابة فصل جديد في تاريخ الدولة السودانية

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *