د. خالد عبيد..يكتب

 

كارل فون كلاوزفيتز: «الحرب فعلٌ من أفعال القوة لإجبار خصمنا على تنفيذ إرادتنا».

 

إن السرديات التي تروّج لمقولة «لا منتصر في الحرب»، وتتعامل مع انتهاء الصراع على طاولة المفاوضات بوصفه نتيجة حتمية، تظل سرديات تفتقر، في كثير من الأحيان، إلى التأصيل العلمي والتحليل التاريخي المقارن. فهي تستند، في جانب معتبر منها، إلى شواهد انتقائية وحكايات متفرقة (Anecdotes)، وإلى قدر من التفكير الرغائبي، أكثر مما تستند إلى تحليل منهجي لطبيعة الصراع وموازين القوى ومسارات الحروب المشابهة.

 

والإشكال الأعمق في هذه المقاربة أنها تختزل الحرب الدائرة في مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين متنازعتين، متجاهلةً جذورها البنيوية والتاريخية. فهذه الحرب، في جوهرها، ليست منفصلة عن الصراع الممتد بين تطلعات شعوب الهامش إلى العدالة والمساواة وإعادة توزيع السلطة والثروة، وبين منظومة «دويلة ٥٦» التي قامت على احتكار المركز للسلطة والموارد وإعادة إنتاج علاقات الهيمنة والتهميش.

 

ومن ثم، فإن اختزال الصراع في مقولة «الجميع سيجلسون في النهاية إلى طاولة المفاوضات» لا يشكّل تحليلًا كافيًا لمساره أو مآلاته.

 

إنه، في جوهره، صراع بين الحق والباطل، وهو أيضًا صراع بين ما يمكن وصفه بـ«الشيطان الأعور»، ممثلًا في دويلة ٥٦، و«رسل الرحمة»، شعوب الهامش.

 

المعطيات الراهنة تؤكد، بما لا يدع مجالًا كبيرًا للشك، أن شقّي الحرب يقفان على طرفي نقيض دموي؛ خطان متوازيان لا يلتقيان. هكذا كانا منذ البداية، وهكذا ما زالا حتى اليوم.

 

التدخل السافر لمحور الشر، بقيادة مصر، دعمًا لدويلة ٥٦، يُفسَّر بأن دويلة ٥٦، في أحسن حالاتها، ليست سوى المحافظة الثامنة والعشرين لمصر. ومن هنا يمكن فهم طبيعة المصالح المصرية المرتبطة بدعمها لدويلة ٥٦، في نسختها الإسلاموية الإرهابية. فهذا الدعم، الذي يبدو بلا حدود، يجعل استمرار الحرب بالنسبة إلى القاهرة مرتبطًا بحسابات تتجاوز الموقف السياسي الآني إلى انتهاك السيادة السودانية وتمتين سبل حكم الإسلاميين.

 

وبهذا المنطق، فكلما ازداد تورط مصر في الحرب، ازدادت رغبتها في مواصلتها؛ في علاقة تشبه إلى حد بعيد منطق المقامرة (Gambling)، حيث يدفع اللاعب المزيد كلما تعاظمت خسائره، أملًا في استعادة ما أنفقه وتحقيق المكسب المنتظر.

 

تضخ مصر العتاد الحربي والعسكري، فيما تراهن ـ وفق هذه القراءة ـ على مقايضة دعمها العسكري بثروات السودان. وهي ثروات زراعية وغابية وحيوانية ومعدنية ظل السودان يمتلك منها مخزونًا هائلًا، بينما ظلت العلاقة التاريخية بين البلدين، من وجهة النظر السودانية الناقدة، محاطة باتهامات مستمرة لمصر بالاستفادة غير المتكافئة من هذه الموارد منذ تكوين دويلة ٥٦.

 

فمصر، وفق هذا التصور، لن ترغب في أن تشتري بالدولار غدًا ما اعتادت الحصول عليه بشروط أكثر سهولة وكلفة أقل من ثروات السودان الزراعية والغابية والحيوانية والمعدنية.

 

ومن هنا، فإن توصيف الحرب الدائرة بأنها «حرب عبثية»، كما يروّج البعض، لا يعبّر عن حقيقتها؛ فالحرب ليست بلا أهداف أو مصالح، وليست مجرد انفجار عسكري عابر يمكن إنهاؤه بتسوية شكلية تتجاهل جذوره.

 

إنها حرب حتمية فرضتها تناقضات تراكمت على مدى عقود، وحرب ترتبط بمصالح ومشروعات متعارضة لا تلتقي في منتصف الطريق.

 

وبالتعريف الأدق: هذه حرب وجودية. نعم، وجودية (Existential) لشعوب الهامش العريض، لا سيما بعد أن ثبت أن الجيش الإسلامي الإرهابي قد استخدم الأسلحة الكيميائية.

 

ولهذا، فإن السؤال لم يعد متعلقًا فقط بمن ينتصر عسكريًا، وإنما بمصير شعوب الهامش العريض وحقها في الحياة، في ظل رغبة دويلة ٥٦ العشائرية في القضاء على شعوب الهامش.

 

د خالد عبيد

لندن

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *