متابعات- نبض نيوز

 

 

 

 

بين دائرة الخوف وأكل العيش، هكذا يمضي المواطن السوداني في مناطق سيطرة الجيش يومه، باحثًا عن مخرج منها، لكنه مع كل محاولة يستحكم حصارها. فالاقتصاد السوداني تحت سيطرة سلطة بورتسودان، وبإدارة من حكومة البرهان برئاسة كامل إدريس ووزير ماليته د. جبريل إبراهيم، أضحى لغزًا يستعصي على الحل. وبالنسبة للمواطن، فالأمر لم يعد مسألة أرقام تظهر في الأسواق، أو حديثًا عن سعر الدولار في قعدات المسرات أو الملمات، بل هو أمر حاضر في تفاصيل الحياة اليومية، من سعر الخبز والدواء وقدرة الأسرة على شراء حاجياتها، وفي السؤال الذي يتكرر في البيوت والأسواق: القصة دي حدها وين؟!!!

 

ووسط هذه المأساة، بحسب البعض، تتزايد الانتقادات الموجهة إلى حكومة رئيس الوزراء كامل إدريس، وتتخذ في بعض الأحيان شكل مطالبات صريحة باستقالته أو إقالته، بالتوازي مع انتقادات تطال وزير المالية جبريل إبراهيم. ليكون السؤال: هل بدأت الخلافات حول إدارة الاقتصاد تتحول إلى انقسام داخل الحكومة نفسها؟

 

الخرطوم: راينو

 

مفارقات المشهد

 

 

 

 

في أبريل الماضي، قرر مجلس وزراء سلطة الأمر الواقع في بورتسودان حظر استيراد عشرات السلع، ضمن إجراءات قيل إنها تستهدف معالجة الاختلالات في سوق النقد الأجنبي وتقليل الطلب على العملات الصعبة. وبدأت القائمة بـ46 سلعة قبل أن يجري تعديلها لاحقًا، واستقر عدد السلع المحظورة عند 34 سلعة.

 

 

 

 

لكن القرار واجه منذ أيامه الأولى اعتراضًا من الغرفة القومية للمستوردين. وقال رئيس الغرفة، الصادق جلال الدين، حينها، إن القرار غير مدروس، محذرًا من أن يؤدي حظر السلع إلى خلق ظروف احتكارية ودفع جزء من الطلب إلى السوق الموازي والتهريب.

 

 

 

 

وبعد أشهر، لم تهدأ القضية. ففي أغسطس، قالت الغرفة إن تجربة الحظر لم تحقق أهدافها، وربطت بينها وبين تراجع قيمة الجنيه، مطالبة بإلغاء القرار.

 

 

 

 

وفي منتصف سبتمبر، عادت الغرفة مجددًا وأعلنت أن سعر الدولار ارتفع من نحو 4100 جنيه عند فرض الحظر إلى نحو 7600 جنيه في سبتمبر، كاشفة عن توجهها لرفع مذكرة للبرهان، باعتباره رئيس مجلس السيادة، تشرح فيها تشخيصها للأزمة الاقتصادية وكيفية العلاج.

 

 

 

 

قبل ذلك، برزت إلى العلن خلافات بين رئيس الوزراء كامل إدريس ووزير المالية د. جبريل إبراهيم، على خلفية إقالة وكيل الوزارة محمد بشار وإلغاء وكالة التخطيط الاقتصادي، قبل أن يعود الرجل لاحقًا إلى موقعه.

 

 

 

 

وبحسب الوقائع، فقد استمر وزير المالية في موقعه، ممارسًا نشاطه بصورة عادية، دون تسجيل محكات يمكن توصيفها بالقطيعة المؤسسية بين مجلس الوزراء والوزير جبريل. ففي يونيو، عقد وزير المالية اجتماعًا دوريًا لتقييم أداء الوزارة، وفي سبتمبر واصل الظهور في اجتماعات التحصيل والإيرادات، بينما استمر رئيس الوزراء في عقد اجتماعات اقتصادية بمشاركته.

 

 

 

 

وهو ما يعكس حجم المفارقات؛ فالخلافات موجودة في التقارير والتصريحات، لكن مؤسسات حكومة بورتسودان ما تزال تعمل معًا في ملفات الاقتصاد، لمواجهة الأزمة أو ربما بحكم المصلحة..

 

 

 

 

دعوات الرحيل

 

 

 

 

مع استمرار الضغوط وتزايد معدلات عودة المواطنين إلى السودان، وارتفاع المطالبة بالخدمات والصرف على الصحة والغذاء والدواء في ظل استمرار تدهور سعر الصرف، انتقلت الانتقادات من السياسات والقرارات إلى الأشخاص. ففي 16 سبتمبر، دعا أحد أبرز كتاب النظام البائد، عبد الماجد عبد الحميد، إلى استقالة كامل إدريس وجبريل إبراهيم، معتبرًا أن الأزمة المعيشية تستوجب تحميل المسؤولية السياسية لمن يتولون إدارة الملفات التنفيذية والاقتصادية.

 

 

 

 

كذلك أدلى الصحفي عثمان ميرغني بدلوه، ولحق الجميع ضياء الدين بلال في توصيف أداء الحكومة وإدارتها للاقتصاد بالفشل، وإن تعددت الصياغات.

 

 

 

 

وبغض النظر عن مدى صلابة الأصوات المطالبة برحيل الرجل وحكومته، ودوافع الدعوات وتوجهاتها، إلا أن المواطن على الأرض لا يحفل سوى بالإجراءات والقرارات التي تنعكس على تصحيح أوضاعه المعيشية، ما يجعل تلك الأصوات تجد أرضية تتمدد يومًا بعد يوم.

 

 

 

 

ويبدو أن ارتفاع الأصوات التي تحاصر حكومة كامل إدريس في سياق الأزمة تسبب في مزيد من الارتباك للرجل وجهازه التنفيذي، الأمر الذي دفعه لإلغاء مؤتمر صحفي، دون إبداء أسباب، كان مقررًا له سبتمبر لعرض إنجازات حكومته في عام. وهو ما أثار سخرية الكثيرين.

 

 

 

 

وفي المقابل، لم تتوقف الحكومة عن عقد اجتماعاتها، وشهد 15 سبتمبر ترؤس كامل إدريس لاجتماع موسع ناقش إجراءات تخفيف أعباء المعيشة، قرر فيه تنشيط وتفعيل مراكز البيع المخفض وزيادة إنتاج القمح، فضلًا عن توطين صناعة الصمغ العربي. تبع ذلك جلسة طارئة لمجلس الوزراء في 17 سبتمبر لاستعراض الأزمة الاقتصادية، الأمر الذي يشي بأن الحكومة، ورغم الحصار حولها بالأزمة المعيشية للسودانيين، ما تزال مستمرة في العمل، رغم الترجيحات الماثلة بضرورة ذهابها.

 

 

 

 

أزمة حكومة أم أزمة دولة؟

 

 

 

 

وفي سياق متابعات «راينو»، يبدو أن ثمة تبادلًا للأدوار بين كتاب ورموز فلول النظام البائد. ففي الوقت الذي دعا فيه عبد الماجد عبد الحميد لإقالة كامل إدريس ومن معه، بحكم فشلهم، يطل من الضفة الأخرى حاج ماجد سوار رافضًا اختزال الأزمة في حكومة كامل إدريس أو الدعوة إلى إقالتها في الوقت الراهن.

 

 

 

 

وقال سوار إن أداء الحكومة يعاني، لكنه يرى أن الأزمة الاقتصادية أكبر من أن تتحملها حكومة كامل وحدها، وأنها أزمة وطنية شاملة تحتاج إلى تعامل مشترك من مؤسسات الدولة.

 

 

 

 

وتقدم حكومة إدريس بدورها رواية مختلفة عن أدائها الاقتصادي. فوزارة المالية تتحدث عن إجراءات إصلاحية في التحصيل والرقمنة والفوترة الإلكترونية، بينما يقول رئيس الوزراء إن حكومته تعمل على معالجة أعباء المعيشة واستعادة النشاط الاقتصادي.

 

 

 

 

بيد أن المواطن لا يهتم بما يهم المؤسسات ولا بقراراتها، فالمواطن يبحث عن إجابة سهلة لأسئلة يومية بسيطة: هل استقرت الأسعار؟ وهل توفر الدواء والغذاء بصورة أسهل؟ وهل توقف تراجع العملة؟

 

 

 

 

تبسيط للأزمة

 

 

 

 

ويذهب المحلل السياسي د. أحمد بابكر، في حديثه لـ«راينو»، إلى أن الكل مشغول حاليًا بالانهيار الاقتصادي الذي تمر به البلاد، ويجتهدون في إيجاد تفسيرات، خاصة مع التسارع الكبير في تآكل سعر صرف العملة المحلية تجاه العملات الأجنبية، خاصة الدولار. وقال بابكر إن مستوى انخفاض العملة الوطنية يُعد أحد المؤشرات المهمة لتقييم الاقتصاد، مضيفًا أن بعض التفسيرات ذهبت إلى أن أداء حكومة كامل إدريس ووزير ماليته يمثلان أحد أهم أسباب تدهور الاقتصاد. وأضاف أن أصحاب هذا التفسير طالبوا، باعتبار ذلك معالجة للتدهور وإيقافه، بإقالة د. كامل إدريس ود. جبريل إبراهيم.

 

 

 

 

ويرى بابكر أن مثل هذا التفسير لطبيعة الأزمة يعتبر نوعًا من التبسيط والاستسهال، بل يمكن اعتباره هروبًا إلى الأمام من التعامل مع أصل الأزمة، وهي الحرب. وتابع قائلًا إن الاقتصاد السوداني في أساسه اقتصاد هش، ويعتمد على تصدير المواد الخام، من ذهب وثروة حيوانية وصمغ ومنتجات زراعية أخرى. وأوضح أن أغلب هذه المنتجات توجد في الغرب أو في مناطق العمليات، مشيرًا إلى أن الحرب أدت إلى حظر اقتصادي وانخفاض كبير في الصادرات. وأضاف أن جزءًا كبيرًا من الذهب يتم تهريبه، فيما تُستخدم العملة الصعبة التي تدخل البلاد في تمويل الآلة العسكرية، لافتًا إلى أن الحرب وفرت كذلك غطاءً للفساد والنهب غير المسبوق نتيجة غياب دولة القانون. وشدد بابكر على أن هذا التدهور سيستمر سواء تمت إقالة رئيس الوزراء أو وزير ماليته، لأن السبب الأساسي، بحسب رؤيته، هو الحرب. وأكد أن إيقاف الحرب هو المدماك الأول لإيقاف هذا التدهور الاقتصادي، وأن أي تفكير يتجاوز هذه الحقيقة هو «هروب إلى الأمام ليس إلا».

 

 

 

 

الظهور معًا ليس كافيًا

 

 

 

 

من جانبه، يرى المحلل السياسي خالد ضياء الدين، في حديثه لـ«راينو»، أن المشهد داخل حكومة بورتسودان ليس خلافًا عابرًا، وإنما هو نار تحت رماد العجز الحكومي وتباين الرؤى وتعارض المصالح. وقال ضياء الدين إن الخلاف بين كامل إدريس وجبريل متعاظم ومستمر، وإنه بدأ في أبريل 2026 حول إقالة وكيل وزارة المالية، مشيرًا إلى أن جبريل سبق أن رفض مغادرة الوزارة باعتبارها استحقاقًا لاتفاقية جوبا، التي بموجبها أيضًا تم الاعتراض على إلغاء وكالة التخطيط.

 

 

 

 

وأضاف أن حكومة بورتسودان تواجه حاليًا تحديات كفيلة بالإطاحة بأي حكومة، متمثلة في الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة والمتزايدة، مع تراجع الإيرادات والعجز في توفير الكهرباء والماء، مضافًا إليه الارتفاع المستمر في أسعار الوقود والدخول في حالة شبه انهيار للجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية. وتابع أن الضغط المستمر على المواطن، وطول أمد الحرب مع التمسك باستمرارها، وما يترتب على ذلك من توجيه موارد الدولة لشراء السلاح وتكلفة الحرب، كلها عوامل زادت من أزمة النظام وخلخلت بنيته الداخلية.

 

 

 

 

وأوضح أن الدعوات لإقالة رئيس الوزراء وحكومته تنطلق من تحميلها مسؤولية الفشل الاقتصادي، ومن كونها حكومة تحمل أكثر من رأس؛ فهناك رئيس وزراء معين بشكل استثنائي، بينما هناك ردفاء يرفضون النزول من صهوة الوزارات وحكم الأقاليم، متكئين على اتفاقية أكلتها آفة الحرب، والأكبر اعتمادها على جيوش تقاتل رفقة الجيش الذي يعتمد عليها في حربه ضد الدعم السريع.

 

 

 

 

وأشار ضياء الدين إلى أنه حتى اللحظة يمكن القول إن حكومة بورتسودان قادرة على إدارة أزمتها الداخلية، غير أن ظهور كامل إدريس لأكثر من مرة مع جبريل ليس كافيًا لاستمرار الحكومة. وشدد على أن الفشل الاقتصادي ومعاناة المواطن قد تضع حدًا لانهيار الجنيه وارتفاع تكاليف المعيشة، وقد تواجه الحكومة رفضًا شعبيًا مطالبًا بالإقالة، أو أن يسبق ذلك قرار بحل الحكومة من قبل قائد الجيش، «بيدي لا بيد عمرو».

 

 

 

 

البرهان مستفيد

 

 

 

 

في السياق، برزت رؤية مغايرة تمامًا، تذهب إلى أن الأزمة الحالية تصب في صالح قائد الجيش البرهان، غض النظر عن مدى تضرر المواطن. ويرى المحلل السياسي عمر سفيان سالم، في حديثه لـ«راينو»، أن البرهان، مثله مثل أي عسكري تقليدي، لا يستطيع بناء مجد أو تاريخ له ليحكم إلا عبر إفشال الحكم المدني، غض النظر عما إذا كان ديكوريًا أو حقيقيًا.

 

 

 

 

وقال سالم: «الأزمة الاقتصادية الحالية سببها الأساسي هو استمرار الحرب، ووقفها يمثل ضربة البداية للعلاج، والبرهان يعلم ذلك، لكنه يريد أن تستمر الحرب بسبب تحكم حلفائه الإسلاميين فيه». وأضاف: «وبالتالي، لإيجاد مبرر لاستمرار الحرب، وفي ذات الوقت التملص من تحمل مسؤولية الكارثة الاقتصادية، يلقي بكامل المسؤولية على من جاء به، وهو كامل إدريس، بدليل هجومه على حكومة كامل في ملتقى الإعلاميين الذي يعملون معه».

 

 

 

 

وتابع سالم: «في تقديري، أن استمرار الأزمة سيكون بمثابة نهاية لرحلة كامل إدريس، بينما يرتبط بقاء جبريل أو ذهابه بموازين العمليات الميدانية والواقع على الأرض». وشدد سفيان على أن البرهان، في كل الأحوال، مستفيد؛ فهو يقول بشكل غير مباشر: انظروا، ها هم المدنيون لا يستطيعون إدارة أي شيء، ولا يحققون أي شيء، وبالتالي لا يحق لهم أن يحكموا، وذلك لخلق جبهة داخلية داعمة لبقائه خصوصا إذا أنتج حلول مصطنعة عبر أموال حلفائه الإسلاميين لحل الضائقة المعيشية، وكل ذلك لمواجهة الدعوات الدولية المتزايدة بالعودة للحكم المدني بعد فشل حواره الديكوري.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *