في ظل الحرب المدمرة التي تعصف بجمهورية السودان وما أفرزته من انهيار شامل للدولة ومؤسساتها وتسببها في أكبر موجة نزوح ولجوء في تاريخ البلاد الحديث يبرز موقف الاتحاد الإفريقي بوصفه اختبارا حقيقيا لمصداقية المنظومة الإفريقية في حماية الشعوب ورفض الانقلابات العسكرية وعدم مكافأة العنف بشرعية زائفة

إن ما يجري في السودان لم يعد شأنا داخليا قابلا للتأويل أو المناورة السياسية بل أزمة إفريقية بامتياز يعلم القادة الأفارقة علم اليقين جذورها ومساراتها ومن يقف وراء استمرارها ومن يوفر الغطاء السياسي والعسكري للجيش السوداني رغم فداحة الجرائم المرتكبة وانعدام أي تفويض شعبي أو دستوري للسلطة القائمة بقيادة عبد الفتاح البرهان

 

وانطلاقا من القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي وبروتوكول مجلس السلم والأمن فإن أي محاولة لتقديم سلطة الأمر الواقع في بورتسودان باعتبارها حكومة شرعية تمثل خرقا صريحا لصكوك الاتحاد ومبادئه المؤسسة وتشكل استخفافا بمعاناة ملايين السودانيين نازحين ولاجئين وضحايا حرب عبثية

 

نصوص القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي

 

المادة الرابعة من القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي

يقوم الاتحاد على المبادئ التالية

احترام سيادة الدول الأعضاء ووحدتها الترابية واستقلالها

رفض وإدانة التغييرات غير الدستورية للحكومات

حق الاتحاد في التدخل في دولة عضو وفقا لقرار من المؤتمر في حالات جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية

عدم تدخل أي دولة عضو في الشؤون الداخلية لدولة عضو أخرى

 

هذه المادة تشكل الأساس القانوني الذي لا يقبل التأويل أو الانتقاص فاحترام السيادة لا ينفصل عن احترام إرادة الشعوب ورفض التغييرات غير الدستورية يعني بشكل قاطع أن الانقلاب العسكري الذي وقع في السودان وما تبعه من حرب لا يمكن أن يكون مصدرا للشرعية

كما أن حق الاتحاد في التدخل يصبح واجبا أخلاقيا وقانونيا عندما تتحول الدولة إلى مسرح لجرائم واسعة النطاق ضد المدنيين كما هو الحال في دارفور والخرطوم وكردفان

 

نصوص بروتوكول مجلس السلم والأمن الإفريقي

 

المادة السابعة من بروتوكول مجلس السلم والأمن

يختص المجلس بالمهام التالية

اتخاذ القرارات اللازمة لمنع النزاعات وإدارتها وتسويتها

فرض العقوبات كلما وقع تغيير غير دستوري للحكومة

القيام بمهام دعم السلام وحماية المدنيين

تعزيز الحكم الديمقراطي والمؤسسات الدستورية

 

وبموجب هذه المادة فإن استمرار التعامل مع سلطة البرهان أو السكوت عن محاولات تسويقها إقليميا ودوليا يمثل إخلالا مباشرا بولاية مجلس السلم والأمن نفسه لأن السلطة القائمة في السودان نتاج انقلاب عسكري وحرب وليست نتاج عملية دستورية أو انتخابية

كما أن حماية المدنيين لم تعد شعارا بل التزاما قانونيا في ظل ما يتعرض له السودانيون من قتل وتجويع ونزوح قسري واستهداف على أساس عرقي

 

اللاجئون والنازحون اختبار الضمير الإفريقي

 

أفرزت الحرب في السودان أكثر من عشرة ملايين نازح ولاجئ توزعوا بين دول الجوار والإقليم في ظروف إنسانية بالغة القسوة حيث يعيش السودانيون في المعسكرات بلا أفق للعودة

إن هؤلاء اللاجئين ليسوا أرقاما في تقارير إنسانية بل شهودا أحياء على فشل الحل العسكري وعلى زيف الادعاءات التي ترفعها سلطة الانقلاب باسم السيادة والاستقرار

وتتحمل الدول الإفريقية مسؤولية مضاعفة ليس فقط في استقبال اللاجئين بل في معالجة السبب الجذري للجوء وهو استمرار الحرب التي يغذيها الدعم السياسي والعسكري غير المعلن للجيش السوداني من بعض الأطراف داخل

 

إن الكذب السياسي والتمثيل الدبلوماسي والخداع باسم محاربة التمرد أو حماية الدولة لا يبني دولة ولا يصنع استقرارا ولا يمنح شرعية

والقادة الأفارقة يعلمون يقينا أن السودان لا تحكمه حكومة شرعية بل سلطة أمر واقع عسكرية وأن أي محاولة لشرعنتها تمثل سابقة خطيرة تهدد مجمل النظام الإفريقي القائم على رفض الانقلابات

كما يعلمون أن استخدام الاتحاد الإفريقي ومجلس السلم والأمن كمنصات للتلاعب السياسي أو لتصفية الحسابات الإقليمية يقوض الثقة في العمل الإفريقي المشترك ويجعل من الصمت تواطؤا

 

إن الطريق الوحيد المتسق مع القانون الإفريقي هو وقف الحرب فورا وسحب أي غطاء سياسي أو دبلوماسي عن سلطة الانقلاب ودعم عملية انتقال مدني ديمقراطي حقيقي بقيادة وملكية سودانية وإعادة الاعتبار لمبادئ الاتحاد الإفريقي لا كشعارات بل كالتزام لا يقبل المساومة

نواصل

بمشيئة الله

عبدالعزير بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان

بتاريخ

١٣ /فبراير /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *