هل خُلقنا للثورات وحدها، أم أننيا عجزنا عن تحويل لحظة الغضب إلى مشروع وطن؟

الثورة عبارة عن بحر واسع له روافد كثيرة، ومع كل مطر تتدفق السيول حاملة الخير والركام معًا. فلا يرفض البحر شيئًا، يحتضن الجميع، فيتغير لون الماء وطعمه. هكذا كانت ثورات السودان؛ حين اندلعت اجتمع حولها الصادق وصاحب الرأي الحر والمؤمن بالقضية، كما التف حولها صاحب المصلحة والمتسلق والباحث عن مكاسب سريعة على حساب دماء الشباب وأرواحهم.

هل كان هذا قدرًا أم خطأ متكررًا تجاهلناه؟

من ثورة 1964، مرورًا بانتفاضة 1985، وصولًا إلى ثورة 2019، تتشابه الأسباب والشعارات وتختلف الأزمنة والوجوه. تسقط الأنظمة، نعم، لكن هل تحقق ما خرج الناس من أجله؟

لماذا عجزنا عن تحويل الانتصار الشعبي إلى دولة؟

الأخطاء الجوهرية كانت واضحة لمن أراد أن يرى: غياب القيادة الموحدة، تضخم دور النخب على حساب القواعد، ارتهان القرار الوطني للتجاذبات الحزبية، ضعف بناء المؤسسات الانتقالية، التساهل مع الإفلات من العقاب، تقديم التسويات على العدالة، ثم ترك السلاح خارج الدولة فصار العنف لغة السياسة.

من يتحمل المسؤولية السياسية؟ أليس الفاعلون من أحزاب وقوى مدنية وعسكرية، ممن تنازعوا على السلطة بدل حمايتها، ومن قدموا مصالحهم الضيقة على المصلحة الوطنية، ومن تحدثوا باسم الشعب دون تفويض، ومن فشلوا في حماية الانتقال وبناء عقد اجتماعي جامع؟

وفي قلب هذا كله، شعب طيب صابر دفع الثمن دمًا وفقراً ونزوحًا ولجوءًا وتعليمًا ضائعًا واقتصادًا مدمّرًا وبنية تحتية منهكة. هل يستحق هذا المصير وهو الذي امتلك كل مقومات الدولة من أرض وموارد وتنوع وقدرات بشرية؟

ما الطريق إلى المستقبل السياسي إذن؟

الطريق يبدأ بالاعتراف بالأخطاء لا بتبريرها، وبفصل الثورة عن الدولة؛ فالأولى لحظة تغيير، والثانية مشروع بناء. ويبدأ بالالتزام بمدنية الحكم، واحتكار الدولة للسلاح، وبناء مؤسسات مهنية مستقلة، وبميثاق وطني جامع يحدد أولويات واضحة: السلام أولًا، العدالة الانتقالية دون انتقائية، اقتصاد منتج لا ريعي، وتعليم يعيد الكرامة والأمل.

وهل يمكن ذلك دون وحدة السودان؟ لن يكون إلا بنبذ الانقسام والتشظي والعنصرية والقبلية والجهوية والتخوين، وبترسيخ المواطنة المتساوية واحترام التنوع.

فهل نتعلم أخيرًا أن البحر يحتاج إلى سد وحوكمة حتى لا يتلوث، أم سنبقى ندور في دائرة: ثورة بلا دولة، ودولة بلا وطن؟

سنواصل، بمشيئة الله

عبدالعزيز بخات، المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان

بتاريخ 12 فبراير 2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *