منعم سليمان

 

في تحرك ديبلوماسي هو الأكثر جدية منذ اندلاع الصراع، طرحت واشنطن خطة متكاملة لإنقاذ السودان من حافة الانهيار الشامل، ومدعومة بتوافق “الرباعية” (الولايات المتحدة، الإمارات، السعودية، مصر). هذه الخطة التي بلور ملامحها مسعد بولس، مستشار الرئيس ترامب، لا تستهدف فقط وقف إطلاق النار، بل تسعى لتفكيك البنية السياسية التي تقتات على استمرار النزاع.

 

وتأتي أهمية هذه المبادرة من كونها “خارطة طريق واقعية” تتجاوز الشعارات، لتركز على خمسة محاور مفصلية تضع حداً للمأساة الإنسانية وتعيد المسار المدني إلى سكته الصحيحة.

 

تبدأ الخطة بفرض هدنة إنسانية فورية وغير مشروطة، تخضع لرقابة دولية صارمة. الهدف هنا ليس مجرد “استراحة محارب”، بل فتح ممرات آمنة لكسر الحصار عن المناطق المنكوبة في الخرطوم ودارفور وكردفان. وتشدد الخطة على أن حماية المدنيين ليست تفاوضاً، بل التزاماً أخلاقياً وقانونياً يسبق أي ترتيبات سياسية.

 

تطرح الخارطة انتقالاً تدريجياً نحو وقف دائم لإطلاق النار، يتضمن انسحاب القوات من المدن الرئيسية وإقامة ترتيبات أمنية موثوقة، قد تشمل مراقبة دولية. ويرى المراقبون أن تثبيت هذا المحور هو المدخل الوحيد لاستعادة هيبة الدولة ومنع انزلاق البلاد نحو التفتت الكامل.

 

يكمن التحدي الأكبر في المحور الرابع المتعلق بـ الانتقال السياسي بقيادة مدنية. وهنا تبرز نقطة الارتكاز الحقيقية؛ حيث يرى محللون أن نجاح الخطة مرهون بمدى قدرة الرباعية على ممارسة ضغوط مركزة على التيارات “الإسلاموية” المرتبطة بالنظام السابق، والتي تسيطر على مفاصل القرار داخل قيادة الجيش.

 

إن التيار الإسلامي، الذي يرى في استمرار الحرب وسيلة وحيدة للعودة إلى السلطة والحفاظ على مصالحه، يشكل العائق الأكبر أمام أي تقارب. لذا، تؤكد الخطة على إبعاد هذه العناصر المتطرفة عن مسار الانتقال، وضمان تمثيل قوى الثورة والشباب والمجتمع المدني في تشكيل الحكومة الانتقالية القادمة.

 

ختاماً، تنظر الخطة إلى المستقبل عبر محورين متلازمين: دعم اقتصادي هائل عبر صندوق دولي لإعادة الإعمار، ومساءلة قانونية لا تستثني أحداً. فإعادة بناء ما دمرته الحرب يجب أن تسير جنباً إلى جنب مع ترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب، لضمان عدم تكرار سيناريوهات الانقلابات والحروب الأهلية.

 

خطة واشنطن والرباعية ليست مجرد نص دبلوماسي، بل هي مواجهة مباشرة مع “اقتصاد الحرب” والقوى الأيديولوجية التي تعيق السلام.

 

إن نجاح هذه الخارطة يتوقف على مدى حزم المجتمع الدولي في التعامل مع المعرقلين داخل السلطة القائمة في بورتسودان، ودعم تطلعات الشعب السوداني في حكم مدني ديمقراطي ينهي عقوداً من الارتهان للشمولية.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *