عبدالعزير بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان

 

 

بعد اندلاع الحرب بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تسابقت الأقلام وتزاحمت البيانات وتبارت المنصات في توزيع صكوك الإدانة والبراءة هذا يدين الاعتداء على إيران وذاك يجرم أمريكا وآخر يعدد خطايا إيران في الإقليم وكل فريق ينصب نفسه وصيا على العدالة الدولية وكأن الخراب لا يكون خرابا إلا إذا وقع بعيدا عن الخرطوم وكأن الدم لا يكون دما إلا إذا سال خارج حدود الوطن

 

القاسم المشترك بين تلك البيانات أن معظمها صادر عن أجسام وأحزاب وكيانات سودانية بل وحتى عن الحكومة نفسها حرب لم تكمل أسبوعها الأول فاستنفرت لها المواقف وأرسلت من أجلها رسائل الشجب والاستنكار بينما حرب السودان منذ 15 أبريل تحصد الأرواح وتبتلع المدن وتأكل ما تبقى من الدولة ولم نسمع إدانة إنسانية واضحة من إيران لوقف نزيفنا ولم نر مبادرة جادة تطفئ نارنا بل كان حضورها في قلب المشهد عبر تكنولوجيا الطيران المسير والأسلحة الفتاكة التي فتكت بالمدنيين قبل العسكريين ودمرت البنية التحتية وأدخلت البلاد في نفق مظلم

 

هنا ينهض السؤال كصرخة في وجه الجميع لماذا لا نبكي على الدم السوداني كما نبكي على دم الآخرين لماذا لا نستنفر بياناتنا وخطاباتنا لنصرة شعبنا كما نفعل دفاعا عن عواصم بعيدة أليس في ذلك ما يكشف خللا أخلاقيا وتملقا سياسيا وتقصيرا وطنيا يخالف أبسط مبادئ المسؤولية التي تقرها القوانين والدساتير في حماية الشعوب وصون كرامتها والدفاع عنها

 

أليست أولى الأولويات في فقه الدولة أن تقدم حياة مواطنيها على أي اصطفاف خارجي وأن تجعل أمنهم ولقمتهم وكرامتهم فوق كل اعتبار كيف يستقيم ميزان الوطنية حين يتحول أبناء الشعب إلى وقود للثورات تارة ووقود للحروب تارة أخرى بينما يتصدر المشهد من يجيدون الخطابة من خلف الشاشات

 

السودان اليوم ليس خبرا عابرا السودان وطن منكوب شعبه بين نازح ولاجئ وجائع السودان الذي فقد أدنى مقومات الحياة السودان الذي أصبح فيه الجوع قاتلا أول قبل الرصاص السودان الذي فرضت عليه الحرب فرضا وتحولت أرضه إلى ساحة لتفكيك النسيج الاجتماعي وتمزيق العلاقات التاريخية بين مكوناته

 

منذ اندلاع الحرب أكثر من عشرة ملايين طالب وطالبة في مختلف المراحل أصبحوا فاقدا تربويا جيلا كاملا يضيع بين أصوات المدافع وصرخات الأمهات عشرات الآلاف من الكوادر في الخدمة المدنية نزحوا أو لجأوا فانهارت مؤسسات الدولة وتآكلت الإدارة العامة وتفككت منظومة الخدمات الأساسية

 

أي مأساة أعظم من أن يتحول الوطن إلى مخيم كبير وأن يصبح المواطن رقما في قوائم الإغاثة وأن تتبدل صورة السودان من دولة ذات تاريخ إلى ساحة صراع مفتوح تتنازعها المحاور

 

إن من يبكون على إيران أو على دول الخليج أولى بهم أن يبكوا على السودان أولا أولى بهم أن ينظروا إلى وجوه الأطفال الهزلى وإلى طوابير الخبز وإلى خيام النزوح وإلى المدارس المغلقة وإلى المستشفيات التي صارت أطلالا أولى بهم أن يراجعوا ضمائرهم قبل بياناتهم وأن يقدموا وطنهم على حسابات السياسة

 

الوطنية ليست بيانا يصدر عند الطلب ولا موقفا انتقائيا يتشكل وفق اتجاه الريح الوطنية مسؤولية قانونية وأخلاقية وتاريخية تقتضي أن يكون السودان هو الأول في الحزن وفي الغضب وفي الفعل

 

ابكوا على السودان أولا فدمه أحق بالدمع وجوعه أحق بالصرخة وكرامته أحق بالدفاع وشعبه الذي أنهكته الحرب أحق بأن يجد من يقف معه لا من يزايد باسمه أو يتاجر بمأساته

 

هذا ليس خطاب كراهية بل محاسبة للضمير وليس عداء لأحد بل مطالبة بأن تكون الأولوية لشعب يموت بصمت بينما ينشغل بعض أبنائه بالبكاء على غيره قبل أن يجف دمع أمهاته

 

 

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

٣/مارس /٢٠٢٦

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *