عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان يمر السودان منذ الاستقلال في الاول من يناير 1956 بمسار تاريخي وقانوني وسياسي معقد اتسم بهيمنة العنف المسلح على المجال العام مقابل غياب مستمر لسلطة مدنية مستقرة قائمة على سيادة حكم القانون وقد ادى هذا المسار الى تراكم نزاعات مسلحة متواصلة منذ تمرد عام 1955 مرورا بحروب الجنوب ثم دارفور وجبال النوبة والنيل الازرق وصولا الى الحرب الدائرة في الخرطوم منذ 2023 وهو واقع يفرض على الضمير الوطني والانساني ضرورة اعادة توصيف هذه الحالة لا بوصفها قدرا تاريخيا بل باعتبارها نتيجة مباشرة لخيارات سياسية قابلة للتغيير ان استعراض الوقائع التاريخية يبين بوضوح ان منطق الحسم العسكري لم ينجح في انهاء اي نزاع داخلي في السودان بل اسهم في اطالة امده وتعميق جذوره حيث استمرت حرب الجنوب لعقود وانتهت بانفصال الدولة كما ظلت دارفور تعاني من اثار النزاع رغم مرور سنوات طويلة ولم تحقق العمليات العسكرية في اي مرحلة استقرارا دائما او سلاما مستداما الامر الذي يثبت من منظور قانوني وسياسي ان النزاعات ذات الطبيعة الداخلية لا يمكن حلها الا عبر تسويات سياسية عادلة تعالج اسبابها البنيوية المرتبطة بتوزيع السلطة والثروة والاعتراف بالتنوع ومن زاوية انسانية فان تكلفة الحرب لا تقاس فقط بعدد الضحايا بل بما تخلفه من اثار ممتدة على المجتمع والدولة حيث تؤدي الى انهيار مؤسسات التعليم والصحة وتعطيل النشاط الاقتصادي وتفكيك الروابط الاجتماعية وخلق اجيال نشأت في بيئة يغلب عليها العنف والحرمان وهو ما يشكل انتهاكا مستمرا لحقوق الانسان الاساسية بما في ذلك الحق في الحياة والامن والتعليم والصحة وهي حقوق تكفلها المبادئ العامة للقانون الدولي وتلتزم بها الدول باعتبارها جزءا من مسؤولياتها تجاه مواطنيها ان الخطاب الذي يبرر استمرار الحرب تحت مسميات الكرامة او الحسم يتعارض مع الحقائق التاريخية والوقائع العملية اذ ان الحروب الاهلية بطبيعتها لا تنتج نصرا حقيقيا لاي طرف بل تنتهي دائما بخسارة جماعية يتحملها المجتمع باكمله كما ان تصوير المواطن الاخر باعتباره عدوا داخليا يقوض اسس التعايش الوطني ويغذي دوائر الكراهية والعنف ويحول الصراع من نزاع سياسي قابل للحل الى صراع وجودي مفتوح لا سقف له وفي المقابل فان السلام لا يمثل حالة ضعف او استسلام بل هو خيار قانوني وسياسي واع يتطلب شجاعة جماعية للانتقال من منطق القوة الى منطق الدولة حيث يقوم السلام المستدام على اسس واضحة تشمل وقف الاعمال العدائية وحماية المدنيين وانشاء مسار عدالة انتقالية يضمن المساءلة وعدم الافلات من العقاب وجبر الضرر وتعويض الضحايا اضافة الى اصلاح مؤسسات الدولة وعلى رأسها المؤسسة العسكرية بما يضمن مهنيتها وخضوعها للسلطة المدنية المنتخبة كما ان بناء ثقافة سلام داخل المجتمع يمثل ضرورة موازية للمسار السياسي وذلك من خلال نبذ خطاب الكراهية وتعزيز قيم المواطنة المتساوية وقبول الاخر والعمل على ترسيخ الوعي بان التنوع مصدر قوة لا سبب صراع وان مسؤولية انهاء الحرب لا تقع على عاتق الفاعلين السياسيين فقط بل تشمل المجتمع بكافة مكوناته من خلال رفض التحريض والمشاركة في المبادرات المدنية التي تعيد بناء الثقة وتدعم استمرارية الحياة وبناء على ما تقدم فان استمرار الحرب في السودان لا يمكن تبريره قانونيا او سياسيا او اخلاقيا وهو ما يفرض ضرورة اتخاذ موقف جماعي واضح يهدف الى وقفها فورا والشروع في عملية سياسية شاملة تؤسس لدولة مدنية ديمقراطية قائمة على سيادة القانون واحترام حقوق الانسان وتحقيق العدالة الاجتماعية اذ ان البديل عن السلام ليس نصرا مؤجلا بل مزيدا من الانهيار والتفكك وهو ما يهدد وجود الدولة نفسها ويضع مستقبل الاجيال القادمة على المحك ان التجربة التاريخية للسودان خلال سبعة عقود تقدم دليلا قاطعا على ان الحرب ليست حلا وان السلام ليس خيارا ثانويا بل ضرورة وجودية لا تقبل التأجيل وان اللحظة الراهنة تتطلب وعيا جمعيا يدرك ان وقف الحرب هو الخطوة الاولى نحو استعادة الدولة وصون كرامة الانسان السوداني والحفاظ على ما تبقى من مقومات العيش المشترك قبل الوصول الى نقطة اللاعودة نواصل بمشيئة الله بتاريخ ٢٠/ابريل /2026 شارك تصفّح المقالات تجليات النسيان في حرب السودان؟! الجميل الفاضل يكتب: سقوط الفراشة واهتزاز الجبل؟!