عبدالعزير بخات المحامي 

والمدافع عن حقوق الإنسان 

 

 

منذ اندلاع هذا النزاع دأبت القوات المسلحة السودانية على انتهاج سلوك يقوم على زعزعة الأمن وبث الرعب وسط المواطنين المدنيين كأداة من أدوات الحرب بما أدى إلى موجات نزوح قسري وتمزيق للنسيج الاجتماعي وترويع للأسر الآمنة داخل منازلها بتحديد في كردفان ودارفور إن هذا النمط من الأفعال لا يمكن توصيفه على أنه أخطاء عرضية أو أضرار جانبية بل يعكس توجها متعمدا يقوم على إخضاع السكان المدنيين عبر الخوف والقصف والتهديد وإن كل خطاب يصدر عن قائد الجيش متحدثا باسم الشعب أو مدعيا حماية المواطن السوداني يتناقض بصورة صارخة مع الواقع الميداني الذي تحسمه الوقائع والضحايا والأجساد الممزقة تحت أنقاض القصف

 

تعرضت مدينة المجلد لهجوم بطائرة مسيرة استهدف موقعين داخل النطاق المدني وأسفر عن مقتل أكثر من عشرين مدنيا وسقوط عدد كبير من الجرحى في واقعة تشكل انتهاكا جسيما لقواعد القانون الدولي الإنساني وترقى إلى جريمة حرب مكتملة الأركان

 

ووفقا للمعلومات المتاحة فإن الأهداف التي تم قصفها بواسطة الجيش السوداني هي أهداف مدنية خالصة يسكنها ويتواجد فيها مواطنون مدنيون لا صلة لهم بأي نشاط عسكري ولم تكن مواقع اشتباك أو تمركز لقوات مقاتلة الأمر الذي ينفي أي مبرر عسكري ويؤكد تعمد استهداف المدنيين أو على أقل تقدير شن هجوم عشوائي مع العلم بطبيعته المدنية

 

إن هذا السلوك يصطدم مباشرة مع المادة 48 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف التي تقرر مبدأ التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين وتلزم أطراف النزاع بقصر عملياتهم على الأهداف العسكرية فقط كما تحظر المادة 51 الفقرة 2 من البروتوكول ذاته الهجمات الموجهة ضد السكان المدنيين وأعمال العنف الرامية إلى بث الرعب بينهم وهو ما ينطبق على أي قصف يستهدف بيئات مدنية بقصد إخضاعها أو دفعها إلى النزوح

 

وتؤكد المادة 52 الفقرة 1 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف أن الأعيان المدنية لا يجوز أن تكون محلا للهجوم كما تفرض المادة 57 التزاما باتخاذ الاحتياطات اللازمة للتحقق من الطبيعة العسكرية للهدف وأي إخلال متعمد بهذه الواجبات يرتب مسؤولية جنائية فردية

 

وعلى صعيد التجريم الدولي الصريح تنص المادة 8 الفقرة 2 ب 1 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على أن تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين أو ضد أفراد مدنيين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية يشكل جريمة حرب كما تجرم المادة 8 الفقرة 2 ب 2 تعمد توجيه هجمات ضد الأعيان المدنية وتجرم المادة 8 الفقرة 2 ب 4 شن هجوم مع العلم بأنه سيسبب خسائر مفرطة في أرواح المدنيين بالقياس إلى الميزة العسكرية المتوقعة

 

وإذا كان هذا القصف جزءا من سياسة أو نمط واسع النطاق أو منهجي يستهدف السكان المدنيين بقصد إخضاعهم أو تهجيرهم فإن الأفعال قد ترقى كذلك إلى جريمة ضد الإنسانية وفقا للمادة 7 الفقرة 1 أ من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التي تجرم القتل العمد متى ارتكب في سياق هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين

 

كما تمتد المسؤولية الجنائية إلى كل من أمر أو خطط أو حرض أو سهل ارتكاب هذه الجرائم وفقا للمادة 25 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وتكرس المادة 28 مبدأ مسؤولية القادة والرؤساء عن الجرائم التي يرتكبها مرؤوسوهم إذا علموا أو كان ينبغي لهم أن يعلموا بها ولم يتخذوا التدابير اللازمة لمنعها أو معاقبة مرتكبيها

 

إن تعمد نشر الرعب بين المدنيين وإجبارهم على النزوح القسري عبر القصف يمثل انتهاكا صارخا لمبدأ التمييز والتناسب والاحتياطات الواجبة ويشكل جريمة حرب واضحة لا تسقط بالتقادم ولا يحصن مرتكبيها أي منصب أو خطاب سياسي

 

 

نواصل

بمشيئة الله

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *