عبدالعزيز بخات المحامي
والمدافع عن حقوق الإنسان

تعيش الحركة الإسلامية في السودان اليوم واحدة من أكثر لحظات تاريخها ارتباكا وغموضا فبعد عقود من السيطرة على الدولة السودانية عبر انقلاب عسكري وتحالفات أمنية معقدة باتت هذه الحركة تواجه عزلة سياسية وأخلاقية غير مسبوقة داخليا وخارجيا ولم يعد السؤال المطروح هل ستنتهي هذه التجربة بل كيف ومتى سيكون السقوط الكامل لمشروعها السياسي

لقد قامت تجربة الحركة الإسلامية في السودان على توظيف الدين في الصراع على السلطة فبدلا من أن يكون الدين منظومة قيم للعدل والرحمة والكرامة الإنسانية تحول في خطابها السياسي إلى أداة للهيمنة والإقصاء وقد أدى هذا الاستخدام السياسي للدين إلى نتائج كارثية على الدولة السودانية وعلى النسيج الاجتماعي للشعب

فعلى المستوى الداخلي ارتبط تاريخ الحركة الإسلامية بواحدة من أطول فترات الاستبداد السياسي في السودان حيث تم تعطيل المؤسسات الديمقراطية وقمع الحريات العامة وتسييس القضاء واستخدام أجهزة الدولة الأمنية في ملاحقة الخصوم السياسيين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان وقد أدى ذلك إلى تفكيك مفهوم الدولة الوطنية وتحويلها إلى أداة حزبية تخدم تنظيما سياسيا بعينه

كما شهد السودان خلال فترة حكم الحركة الإسلامية اتساعا كبيرا في دائرة الحروب الداخلية والنزاعات المسلحة فقد تم استخدام خطاب ديني تعبوي لتبرير العنف ضد مجموعات سودانية مختلفة وهو ما ساهم في تعميق الانقسامات الإثنية والقبلية والجهوية داخل المجتمع السوداني وأدى إلى تآكل الثقة بين مكونات الشعب

إن أخطر ما خلفته هذه التجربة لا يقتصر على الدمار الاقتصادي والمؤسسي فحسب بل يمتد إلى تفكيك النسيج الاجتماعي حيث انتشرت ثقافة التخوين السياسي والتحريض والكراهية وتم توظيف الانتماءات القبلية والجهوية كأدوات للصراع السياسي الأمر الذي أدى إلى إضعاف مفهوم المواطنة المتساوية وإحلال منطق الولاء التنظيمي محل الانتماء الوطني

أما على المستوى الإقليمي والدولي فقد ارتبط اسم الحركة الإسلامية السودانية بملفات معقدة تتعلق بدعم الحركات المتطرفة وتوفير ملاذات آمنة لعدد من التنظيمات المتشددة خلال تسعينيات القرن الماضي وهو ما أدى إلى إدخال السودان في دائرة العزلة الدولية والعقوبات الاقتصادية لفترات طويلة

وقد انعكس ذلك في عدد من الإجراءات القانونية الدولية التي استهدفت النظام المرتبط بالحركة الإسلامية حيث شكلت اتهامات جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي لاحقت رموز النظام السابق في السودان مؤشرا واضحا على حجم الانتهاكات التي شهدتها البلاد

وتشير قواعد القانون الدولي الجنائي إلى أن الجرائم التي تمس الكرامة الإنسانية مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم وفقا لما نصت عليه مبادئ العدالة الدولية كما أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أكد على مبدأ المساءلة الفردية عن هذه الجرائم بما يضمن عدم إفلات مرتكبيها من العقاب

كما أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يؤكد على التزام الدول بحماية الحق في الحياة والحرية والأمن الشخصي ومنع التعذيب والاعتقال التعسفي وهي مبادئ تم انتهاكها بشكل واسع خلال سنوات الحكم المرتبط بالحركة الإسلامية في السودان

أما اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها فقد أرست قاعدة قانونية أساسية تقضي بوجوب ملاحقة كل من يثبت تورطه في سياسات أو أفعال تستهدف جماعات بشرية على أساس العرق أو الانتماء الإثني وهو ما يجعل العديد من الوقائع المرتبطة بالحروب والنزاعات في السودان محل مساءلة قانونية دولية

إن قراءة مستقبل الحركة الإسلامية في السودان في ضوء هذه الوقائع تشير إلى أن المشروع السياسي الذي قامت عليه هذه الحركة قد فقد الكثير من شرعيته التاريخية والاجتماعية فالشعوب التي عانت من الحروب والانقسامات والتدهور الاقتصادي لم تعد تقبل بإعادة إنتاج التجارب التي قادتها إلى هذه الأزمات

لقد أصبح واضحا أن السودان يقف اليوم أمام لحظة تاريخية تتطلب إعادة بناء الدولة على أسس جديدة تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون واحترام التنوع الثقافي والعرقي والديني وهو ما يتطلب تجاوز مشاريع الهيمنة الأيديولوجية التي أثبتت فشلها

إن مصير الحركة الإسلامية في السودان لن يتحدد فقط بميزان القوة السياسية بل بقدرة المجتمع السوداني على استعادة الدولة من قبضة التنظيمات العقائدية وبناء نظام سياسي مدني يقوم على العدالة والمساءلة واحترام حقوق الإنسان

وفي النهاية فإن التاريخ يقدم درسا واضحا مفاده أن الأنظمة التي تبني مشروعها على احتكار الحقيقة وتوظيف الدين في الصراع السياسي قد تنجح لفترة من الزمن لكنها لا تستطيع الصمود أمام إرادة الشعوب وتطلعاتها إلى الحرية والكرامة والعدالة

والسودان اليوم يقف على أعتاب مرحلة جديدة قد تكون الأكثر صعوبة لكنها أيضا الأكثر أهمية في مسار بناء دولة عادلة تتسع لجميع أبنائها دون إقصاء أو تمييز

نواصل
بمشيئة الله
بتاريخ
١٣ /مارس 2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *