الجميل الفاضل يكتب قد تظنونها حرباً «منسية»، أو طامةً سقطت سهواً عن أجندة عالمٍ مزدحم بصوارفه وشواغله. لكن هذا النسيان ليس سوى تجلٍّ آخر لقصة السودان الغريبة، التي تطابق في غموضها قصة نبيّ الله موسى والعبد الصالح الخضر في سورة الكهف. فالسودان وطنٌ حمّال أوجه، يُجيد الاختباء وراء ظلال الأسماء وجوقة الأصداء. كما قال محمد المكي إبراهيم “في وصفه”: تختبئ الصدفة في منعطف الطريق والعسل البريء في الرحيق وطائر الفينيق في الحريق يختبئ البستان في الوردة والغابة في الشجر لقد قَبِعَ هذا البلد غريب الأطوار بين سطور الكتب المقدسة: تارةً «كوش» في التوراة، وتارةً «الحبشة» تراقص الحراب في حضرة النبي ﷺ بيثرب، وتارةً تحت إشارة «المغرب» النبوية، قبل أن نعود به إلى مجمع البحرين. هو أول أرض حكمها حاكمٌ مسلم: النجاشي، الذي اعتنق الإسلام وهو على سدة الحكم، قبل المدينة وقبل الخلافة. كما كان أول بقاع الأرض التي دخلها الإسلام من باب الهجرة لا الفتح، فانتشر بطواعية ولين، لا بقسر. وُصفت أرضه بـ«أرض الصدق»، وورد في أهله أنهم يضمّون ثلاثة من سادات أهل الجنة: لقمان، والنجاشي، وبلال رضي الله عنهم. المهم ليس بين السودان وأقداره الكبرى الآن سوى حجاب الوقت، كما أشارت نبوءة أشعياء إلى شعب «طويل أجرد»، «مخوف منذ كان»، «قد خرقت الأنهار أرضه»، يقدم هدية لرب الجنود إلى جبل صهيون. فمنذ أن أمر الله موسى عليه السلام بالسفر إلى مجمع البحرين بحثاً عن عبدٍ أعلم منه، صارت هذه الأرض تتقلب بين النوم واليقظة، والموت والحياة، كما في قصة الحوت والصخرة. أمر السودان كله عجب. تبدو أفعاله مخالفة للمنطق، بينما هي في الحقيقة تجري بأمر ربها، كأفعال الخضر عليه السلام: يخرق السفينة رحمةً، ويقتل الغلام فضلاً، ويبني الجدار عطاءً. لذلك كان لا بد أن يبدو اليوم مجهولاً وخاملاً وصغيراً، حتى يستأهل دوره كنقطة التقاء بين أسباب الأرض وأسباب السماء. فقد قال الأستاذ محمود محمد طه: «السودان هو مركز دائرة الوجود على هذا الكوكب… فلا يهوّلنّ أحداً كونه جاهلاً خاملاً صغيراً، فإن عناية الله حفظت في أهله من أصائل الطباع ما سيجعلهم نقطة التقاء أسباب الأرض بأسباب السماء». شارك تصفّح المقالات وزير العدل في أحضان “دواعش السودان”.. النعي الأخير لدولة القانون