عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان في مسار الدولة السودانية منذ الاستقلال في الاول من يناير 1956 يتكرر نمط قانوني وسياسي ثابت يقوم على توقيع اتفاقات سلام مع حركات مسلحة ثم نقض الالتزامات الجوهرية لتلك الاتفاقات بما يعيد انتاج الحرب في دورة مستمرة تؤكد ان جوهر الازمة ليس في التمرد ولا في قادة الحركات الذين قبلوا بالتسوية او شاركوا في السلطة بل في بنية المركز السياسي الذي يحتكر القرار ولا يلتزم بما يوقع عليه بتاريخ السابع والعشرين من مارس 1972 تم توقيع اتفاق اديس ابابا بين نظام جعفر نميري وحركة الانانيا بقيادة جوزيف لاقو وقد اسس الاتفاق لنظام حكم ذاتي لجنوب السودان ودمج القوات ومنح ترتيبات للسلطة والثروة غير ان السلطة المركزية عادت في مايو 1983 والغت الاتفاق عمليا عبر تقسيم الاقليم الجنوبي وفرض قوانين سبتمبر مما شكل خرقا جوهريا للالتزامات وادى الى اندلاع التمرد الثاني بقيادة جون قرنق وهو ما يثبت ان نقض المركز للاتفاق هو السبب المباشر لاستئناف الحرب وفي التاسع من يناير 2005 تم توقيع اتفاق السلام الشامل بنيفاشا بين الحكومة والحركة الشعبية بقيادة جون قرنق والذي تضمن تقاسم السلطة والثروة وحق تقرير المصير وترتيبات انتقالية مفصلة الا ان التطبيق الفعلي شهد اخلالا واضحا في ملفات ابيي وترسيم الحدود والمشورة الشعبية لجنوب كردفان والنيل الازرق وهو اخلال اضعف الثقة في الشراكة وقاد في نهاية المطاف الى انفصال جنوب السودان في يوليو 2011 ثم تجدد الحرب في المنطقتين في العام ذاته بما يعكس مرة اخرى ان عدم تنفيذ الالتزامات من جانب المركز هو العامل الحاسم في فشل السلام وفي الخامس من مايو 2006 وقعت الحكومة اتفاق ابوجا مع فصيل مني اركو مناوي ونص الاتفاق على ترتيبات امنية وتعويضات ونزع سلاح المليشيات غير ان الواقع شهد تقنينا لتلك المليشيات وتهميشا للشريك الموقع وعدم تنفيذ بنود التعويضات مما دفع مناوي للعودة الى القتال في ذات العام واستمرار النزاع في دارفور وهو ما يؤكد ان توقيع الاتفاق دون ارادة تنفيذية من المركز يحوله الى اداة تكتيكية لا عقد ملزم وفي الرابع عشر من يوليو 2011 تم توقيع اتفاق الدوحة لدارفور والذي انشأ سلطة اقليمية انتقالية ووعد بعودة النازحين والتنمية الا ان السلطة التي انشئت كانت محدودة الصلاحيات ولم تتحقق العودة الامنة واستمر العنف مما افقد الاتفاق مضمونه القانوني والعملي وفي الثامن والعشرين من يونيو 2011 تم التوقيع على الاتفاق الاطاري الخاص بالنيل الازرق وجنوب كردفان مع مالك عقار وياسر عرمان غير ان نقض الاتفاق تم بعد ايام قليلة عبر قرارات سياسية وعسكرية من رأس الدولة مما ادى الى عودة القتال في سبتمبر 2011 وهو نموذج صريح لانعدام وحدة القرار داخل المركز وتغليب الاداة العسكرية على الالتزام التعاقدي وفي الثالث من اكتوبر 2020 تم توقيع اتفاق جوبا لسلام السودان مع الجبهة الثورية متضمنا مسارات متعددة ونسب مشاركة وترتيبات امنية الا ان انقلاب الخامس والعشرين من اكتوبر 2021 جمد التنفيذ ولم تنفذ الترتيبات الامنية او برامج التنمية ثم جاءت حرب ابريل 2023 لتقوض الاتفاق كليا وتعيد اطرافه الى مواقع صراع مختلفة وهو ما يثبت ان هشاشة المركز السياسي وتعدد مراكزه يعطل اي التزام تعاقدي مهما بلغت دقته هذا التسلسل التاريخي يثبت وفق التحليل القانوني ان نقض الالتزامات الجوهرية من قبل الدولة يمثل اخلالا ماديا بالعقود السياسية المبرمة ويمنح الطرف الاخر وفق مبادئ القانون الدولي العام حق الانسحاب من الاتفاق وهو ما حدث عمليا في كل الحالات المذكورة غير ان هذا الحق القانوني تحول وطنيا الى كارثة مستمرة بسبب غياب دولة مؤسسية قادرة على الالتزام كما يثبت التحليل السياسي ان المركز ظل يتعامل مع الاتفاقات بوصفها ادوات لادارة الازمة وليس لحلها حيث يتم التوقيع تحت ضغط دولي او عسكري ثم يجري تفريغ البنود من محتواها عبر البيروقراطية او الاجهزة الامنية او الامتناع عن التمويل وهو ما يعكس غياب الارادة السياسية ووحدة القرار ووجود بنية سلطوية تقوم على الغلبة لا الشراكة وبذلك تتضح الحقيقة الجوهرية ان ازمة السودان ليست ازمة تمرد ولا ازمة قادة وقعوا او سلموا انفسهم بل هي ازمة مركز يحتكر السلطة ويخلف الوعود ويستخدم الاتفاقات كتكتيك مؤقت ثم ينقضها دون مساءلة مما يعيد انتاج العنف بصورة دورية ان اي تسوية مستقبلية لن تكون ذات قيمة قانونية او سياسية ما لم تقم على تحويل الاتفاق من نص سياسي قابل للنقض الى التزام دستوري ملزم تحميه اليات تنفيذ مستقلة وتضمنه رقابة دولية فاعلة وتدعمه عدالة انتقالية ترفع كلفة الانتهاك وتجعل نقض الاتفاق جريمة يعاقب عليها القانون لا خيارا سياسيا بلا ثمن وبغير ذلك سيظل التاريخ السوداني يعيد نفسه بوصفه سلسلة من اتفاقات توقع في القاعات ثم تنقض في الميدان وتبقى المشكلة كامنة في المركز الذي لا يلتزم لا في الاطراف التي تبحث عن سلام عادل ومستدام نواصل بمشيئة الله بتاريخ ٢٣ /ابريل 2026 شارك تصفّح المقالات نفيسة حجر تكتب …عندما تصبح مؤسسة الجيش السوداني”حاضنة للضباحين صباح محمد الحسن تكتب …شديد اللهجة!!