عبدالعزيز بخات المحامي ومدافع عن حقوق الانسان…يكتب منذ اندلاع حرب 15 ابريل 2023 لم يعد السؤال في السودان فقط من اشعل الحرب بل اصبح السؤال الاخطر من يملك حق تعريف المتعاون ومن يملك حق اسقاط الجريمة او احيائها ولماذا تتحرك العدالة في اتجاه واحد فقط لقد كشفت الحرب السودانية خللا عميقا داخل الاجهزة العدلية نفسها كشفت ان الخطر لم يعد فقط في صوت الرصاص بل في اهتزاز ميزان العدالة وفي تحول بعض مؤسسات القانون من مؤسسات يفترض فيها الحياد الى ادوات تستخدم بصورة انتقائية وفق الموقع العسكري والسياسي لا وفق النصوص القانونية المجردة فما معنى دولة قانون اذا كان الشاب الذي يحمل هاتفا يتهم بالخيانة العظمى بينما من يحمل السلاح ويقود المعارك يدخل لاحقا الى حضن الوطن دون مساءلة وما معنى استقلال النيابة والقضاء اذا كانت المواد الجنائية تفعل ضد الضعفاء فقط ينص القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 في المادة 50 على جريمة تقويض النظام الدستوري وهي من اخطر الجرائم التي قد تصل عقوبتها الى الاعدام او السجن المؤبد كما تنص المادة 51 على جريمة اثارة الحرب ضد الدولة وهي كذلك من الجرائم الموجهة ضد امن الدولة لكن السؤال المشروع الذي يفرض نفسه امام الراي العام هل طبقت هذه النصوص بروح العدالة ام بروح الانتقام السياسي وهل تم تفسير مفهوم التعاون وفق ضوابط الاثبات الجنائي ام وفق حالة الغضب العام والانتماءات العسكرية لقد شهد السودان بعد الحرب موجة واسعة من البلاغات تحت وصف متعاون طالت شبابا في مقتبل العمر ونساء يعملن في بيع الشاي وطلابا جامعيين وبعضهم تم احتجازه في مقار امنية ومعتقلات عرفت شعبيا باسم الخلية الامنة وسط اتهامات متكررة بالتعذيب والاكراه وسوء المعاملة وهنا يبرز سؤال العدالة الكبير هل اصبح الاعتراف المنتزع تحت التعذيب بينة قانونية الم ينص قانون الاثبات السوداني لسنة 1994 على بطلان اي اعتراف يتم تحت الاكراه الم تقرر مبادئ العدالة الطبيعية ان المتهم بريء حتى تثبت ادانته ثم كيف نفهم ان بعض المتهمين بارتكاب انتهاكات واسعة في الجزيرة او الفاشر او كردفان عادوا لاحقا الى المشهد العام دون تحقيقات معلنة او مساءلات شفافة كيف نفهم ترقية بعض القادة العسكريين او استيعابهم سياسيا بينما لا يزال شباب سودانيون يقبعون في الزنازين تحت دعاوى التعاون اين مبدأ المساواة امام القانون الذي نصت عليه الوثائق الدستورية السودانية واين واجب النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية ضد الجميع دون انتقائية واين استقلال القضاء الذي يفترض ان يكون فوق الحرب والاستقطاب ان المادة 4 من قانون النيابة العامة لسنة 2017 جعلت من واجبات النيابة حماية الحقوق والحريات وسيادة حكم القانون كما ان قانون الاجراءات الجنائية لسنة 1991 الزم وكلاء النيابة بالتحري المجرد والبحث عن الحقيقة لا عن الادانة فقط بل ان المسؤولية هنا ليست جنائية فحسب وانما مسؤولية دستورية واخلاقية وتقصيرية ايضا فاي موظف عام يستخدم سلطاته بصورة تعسفية او انتقائية يكون قد اخل بواجب الحياد الوظيفي وعرض مؤسسات العدالة لفقدان الثقة العامة والاخطر من ذلك ان العدالة الانتقائية لا تقتل الافراد فقط بل تقتل فكرة الدولة نفسها لان المواطن عندما يشعر ان القانون يستخدم ضد فئة ويعطل لفئة اخرى فانه يفقد الايمان بالقضاء ثم يفقد الايمان بالدولة ثم يبدأ المجتمع كله في البحث عن العدالة خارج المؤسسات يا اهل العدالة في السودان ما الذي فعله منيب عبدالعزيز حتى يعامل كخطر على الدولة وما الذي فعلته الدرة او بائعات الشاي او الطلاب حتى تفتح ضدهم بلاغات قد تنتهي بالاعدام وهل اصبحت الهشاشة الاجتماعية دليلا للادانة وهل تحولت العدالة الى اداة لاخافة المدنيين بينما يمنح اصحاب القوة العسكرية حصانات غير معلنة ان الحرب لم يكن فيها خير لكن من اخطر ما كشفته انها عرت التناقض داخل المؤسسات العدلية نفسها كشفت ان السودان لا يعاني فقط من ازمة سياسية او عسكرية بل من ازمة ثقة في تطبيق القانون العدالة الحقيقية لا تبنى على الغضب ولا تدار عبر وسائل التواصل الاجتماعي ولا توزع وفق معادلات الولاء والانشقاق والتحالفات العسكرية فالنيابة العامة ليست جهازا سياسيا والقضاء ليس اداة تعبئة للحرب والمواد 50 و51 لم توضع لمعاقبة الضعفاء وترك الاقوياء السودان في حاجة الى عدالة انتقالية حقيقية تقوم على استقلال القضاء وحياد النيابة العامة وحظر التعذيب وتجريم الاعتراف القسري ومراجعة كل الاحكام التي شابتها مخالفات اجرائية واخضاع جميع المتهمين مدنيين وعسكريين لمعيار قانوني واحد وإلا فان السؤال سيظل يطارد الدولة السودانية كلها هل نحن امام دولة قانون ام امام قانون يدار بمنطق الحرب؟ نواصل بمشيئة الله بتاريخ ١٨ /مايو /2026 شارك تصفّح المقالات البرهان واللعبة الأمنية