عبدالعزير بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان …يكتب

هل اختصر السودان الذي كان يسمى بلد المليون ميل مربع في مساحة حضن سياسي ضيق؟

وهل صار الوطن بعد انفصال الجنوب مجرد غرفة بيانات ومؤتمرات صلح وخطابات ولاء؟

وهل فقد السودان ما فقده من ارض وتاريخ ثم لم يتعلم شيئا من نزيف الانقسام؟

وهل اصبح السؤال عن حلايب وشلاتين تهمة بينما يسمح باختزال الوطن كله في اشخاص؟

وهل الوطن الذي عجزت الحرب عن حمايته يمكن ان تحميه المصطلحات؟

وهل الذي يتحدث عن حضن الوطن يشعر بوجع الامهات في معسكرات النزوح؟

وبصوت الجوعى والمشردين تحت سماء السودان المفتوحة؟

وهل ملايين السودانيين الذين فقدوا بيوتهم واهلهم خارج هذا الحضن ام ان الوطن الحقيقي ما زال يسكن في قلوب البسطاء لا في مكاتب السلطة؟

وهل الوطنية اصبحت بطاقة تمنح لمن يقترب من الحاكم وتسحب ممن يختلف معه؟

وهل الوطن ملك لشعب كامل ام صار امتيازا سياسيا يمنح باسم الولاء؟

في زمن الحرب السودانية ظهرت صطلحات كثيرة تحاول ان تعيد تعريف الدولة والوطن والمواطنة خارج معناها الحقيقي وواحد من اخطر هذه المصطلحات هو مصطلح حضن الوطن ذلك التعبير الذي يتم استخدامه سياسيا واعلاميا وكأنه بوابة تمنح صك الوطنية وتسقط عن البعض صفات الاتهام والخيانة والتمرد بمجرد اعلان الولاء للسلطة او الاقتراب من مركز القوة

لكن السؤال الذي يجب ان يطرح نفسه بوضوح

من يملك الوطن حتى يفتح له حضنا ويغلقه في وجه الآخرين؟

وهل السودان وطن كامل بحدوده المعروفة وشعبه وثقافته وتاريخه ام انه اصبح مجرد مساحة سياسية مرتبطة بشخص القائد او السلطة الحاكمة؟

الوطن في المفهوم الدستوري والسياسي ليس قائدا ولا مؤسسة عسكرية ولا حزبا سياسيا الوطن هو السودان بكل جغرافيته وهو الشعب السوداني بكل مكوناته الاجتماعية والثقافية والاثنية والدينية وهو الارض والتاريخ والسيادة والقانون والحقوق العامة

لذلك يصبح من الخطير جدا اختزال الوطن في حضن قائد الجيش او في دائرة الولاء السياسي لأن هذا الاختزال لا يصنع دولة بل يصنع سلطة فوق الدولة ويحول الوطنية من حق دستوري متساو لكل المواطنين الى امتياز يمنح لمن يقترب من مركز النفوذ

فهل الوطنية تقاس بالقرب من السلطة ام بالالتزام بالقانون؟

وهل المواطن الذي يعيش في معسكر نزوح او تحت القصف او في مخيم لجوء يفقد وطنيته لأنه لا يملك صورة مع مسؤول او بيانا سياسيا يعلن فيه الولاء؟

 

وهل الذين تشردوا وفقدوا منازلهم واهلهم اقل وطنية من الذين يظهرون في مؤتمرات الصلح والاعلام؟

 

اذا كان الوطن هو السودان فكيف يصبح باب الوطن محصورا في مكتب قائد

وكيف تتحول العودة للوطن الى اجراء سياسي بدلا من ان تكون حقا طبيعيا لكل سوداني؟

ومن منح اي جهة الحق في توزيع شهادات الوطنية واتهامات الخيانة حسب المواقف السياسية والانتماءات؟

 

الاخطر من ذلك ان مصطلح حضن الوطن اصبح يستخدم احيانا كبديل غير معلن لفكرة العدالة والمحاسبة فبدلا من السؤال عن الجرائم والانتهاكات والمسؤولية القانونية يجري تقديم مشهد المصالحة السياسية باعتباره نهاية كافية لكل شيء وكأن الدماء والضحايا والنازحين مجرد تفاصيل يمكن تجاوزها بخطاب عاطفي او مؤتمر صحفي

 

لكن هل تسقط الجرائم السياسية والجنائية بالولاء؟

وهل يمكن للقانون ان يعمل على الضعفاء فقط بينما تتحول الحماية السياسية الى وسيلة لاعفاء البعض من المحاسبة؟

واي دولة يمكن ان تقوم اذا شعر المواطن ان العدالة لا تتحقق بالقانون بل بالقرب من السلطة؟

 

القانون الجنائي لا يعرف مصطلح حضن الوطن ولا يمنح حصانات على اساس الولاء السياسي بل يقوم على مبدأ المسؤولية الفردية والمحاسبة وسيادة القانون لذلك فإن تحويل المصطلحات السياسية الى بديل للقضاء يمثل خطرا مباشرا على فكرة الدولة نفسها لأن الدولة التي لا تحاسب الجميع بمعيار واحد تتحول تدريجيا الى ساحة نفوذ لا وطن مؤسسات

ثم ماذا عن اللغة التي صاحبت الحرب

لماذا انتشرت مفردات التخوين والعنصرية والجهوية والقبلية بصورة غير مسبوقة

ولماذا اصبح السوداني يتهم في وطنيته على اساس قبيلته او منطقته او موقفه السياسي

ومن الذي استفاد من تحويل الخلاف السياسي الى معركة هوية وانتماء

 

الذي يدعي الوطنية الحقيقية لا يستخدم خطاب الكراهية ولا يصنف السودانيين الى وطني وخائن على اساس الجهة او القبيلة او الانتماء السياسي لأن الوطنية ليست ملكا لمجموعة ولا لمدينة ولا لمؤسسة عسكرية بل هي رابطة قانونية واخلاقية تجمع كل السودانيين دون تمييز

 

الوطنية لا تعني التصفيق للحرب ولا تبرير الانتهاكات ولا اسكات الاسئلة الوطنية الكبرى

الوطنية الحقيقية تعني الدفاع عن وحدة السودان وكرامة انسانه وحقه في العدالة والمساواة والامن والسلام

والوطنية الحقيقية لا تحتاج الى حضن قائد حتى تثبت وجودها لأن من يحب وطنه لا ينتظر شهادة من سلطة ولا مباركة من مسؤول

 

السودان لا يحتاج الى مصطلحات تجميلية تخفي الازمة بل يحتاج الى مشروع وطني حقيقي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن على اساس الحقوق لا الولاء وعلى اساس العدالة لا الحماية السياسية وعلى اساس المواطنة لا الجهوية والاقصاء

 

فالاوطان لا تبنى بالاحضان السياسية ولا بالخطابات العاطفية ولا بتوزيع صفات الوطنية والخيانة

الاوطان تبنى حين يشعر المواطن ان القانون يحميه مهما كان ضعيفا ويحاسب غيره مهما كان قويا

وتبنى حين يصبح السوداني سودانيا بحق الدستور لا بحق القرب من السلطة

وحين يدرك الجميع ان السودان اكبر من الاشخاص واكبر من الحكومات واكبر من الحرب نفسها

 

وحتى يحدث ذلك سيظل السؤال قائما

هل الوطن وطن لكل السودانيين

ام انه ما زال محصورا داخل حضن السلطة بينما يقف ملايين السودانيين خارج الباب ينتظرون دولة تعترف بهم مواطنين لا تابعين

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

22 /مايو /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *