أدم الحاج أديب..يكتب

 

حين يتحول ظهور القادة الميدانيين في المنصات الإعلامية إلى أداة لصناعة الرواية السياسية، بينما يبقى سؤال العدالة وحقوق الضحايا هو الاختبار الحقيقي لأي سلطة

في المشهد السوداني الراهن، لم تعد المعارك تُحسم في ساحات القتال وحدها، بل أصبحت تُدار كذلك عبر الكاميرات والمنصات الإعلامية والخطابات المصاغة بعناية. وأضحت المؤتمرات الصحفية التي يُعلن فيها بعض القادة الميدانيين انتقالهم من موقع إلى آخر جزءًا من معركة أوسع تتعلق بإعادة تشكيل الرواية السياسية وصناعة الشرعية والتأثير في الوعي العام.

وفي هذا السياق، يبرز اسم النور القُبّة بوصفه نموذجًا لشخصية تحولت من فاعل ميداني إلى رمز إعلامي تُبنى حوله رسائل سياسية تتجاوز حدود الشخص نفسه، لتصبح جزءًا من خطاب يراد له أن يرسل إشارات بشأن تبدل موازين القوى وإعادة ترتيب التحالفات.

من الميدان إلى المنصة

عندما ينتقل قائد ميداني من موقعه السابق إلى منصة إعلامية، فإن الحدث لا يُقرأ بوصفه تحركًا فرديًا فقط، بل باعتباره رسالة سياسية ذات أبعاد متعددة. فالظهور العلني يمنح الانضمام قيمة رمزية، ويحوّله إلى شهادة من الداخل تُستخدم لإضفاء صدقية على رواية معينة وإقناع الرأي العام بأن المشهد يتغير.

ومن هنا، تصبح المؤتمرات الصحفية أدوات للتأثير النفسي والسياسي بقدر ما هي وسيلة لعرض المعلومات.

ما الهدف من هذه المؤتمرات؟

تؤدي هذه المؤتمرات عدة وظائف، من أبرزها:

تثبيت سردية سياسية محددة أمام الجمهور.

التأثير في الروح المعنوية للأطراف المتصارعة.

إبراز قدرة السلطة على استقطاب شخصيات من المعسكر الآخر.

توجيه رسائل إلى الداخل والخارج بشأن تغير موازين القوى.

إعادة تعريف مفاهيم الولاء والانتماء الوطني.

وبذلك، يتحول الحدث الإعلامي إلى جزء من أدوات إدارة الصراع على الشرعية والرأي العام.

“حضن الوطن” بين الرمز والسياسة

تعبير “حضن الوطن” يحمل دلالة وجدانية قوية، لكنه يثير سؤالًا جوهريًا: هل الوطن يُختزل في سلطة بعينها أو في مركز قرار مؤقت؟ أم أنه إطار جامع لجميع السودانيين على اختلاف مواقعهم ومواقفهم؟

الوطن أكبر من أي سلطة انتقالية، والانتماء إليه لا ينبغي أن يُستخدم لتبرير الانتقائية أو لإضفاء الشرعية على قرارات سياسية دون مساءلة قانونية.

خطاب السلطة تجاه الضحايا

الاختبار الحقيقي لأي سلطة لا يتمثل في قدرتها على تنظيم المؤتمرات الصحفية، بل في كيفية مخاطبتها للضحايا بلغة تعترف بالمعاناة، وتؤكد أن العدالة ستأخذ مجراها عبر مؤسسات مستقلة ومحايدة.

فالضحايا لا ينتظرون شعارات، بل ينتظرون الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر.

العدالة فوق الاصطفافات

لا ينبغي أن تصبح المنصات الإعلامية بديلًا عن مؤسسات العدالة. فالنيابة العامة والقضاء هما الجهتان المختصتان بحماية الحق العام وتطبيق القانون على الجميع بمعايير واحدة.

وعندما تتقدم الحسابات السياسية على مقتضيات العدالة، تتآكل الثقة في مؤسسات الدولة ويتعزز الشعور بأن القانون لا يُطبق على الجميع بالقدر نفسه.

من يمثل الشعب؟

في ظل الحرب والانقسام، يبقى الحديث باسم “الشعب” مسؤولية كبيرة لا يجوز احتكارها. فالشرعية لا تُستمد من الخطاب وحده، بل من التمثيل الواسع والشفافية والالتزام بسيادة القانون.

خاتمة

بين النور القُبّة والسافنا، لا تتعلق القضية بشخص واحد بقدر ما تتعلق بكيفية استخدام الرموز والأسماء والمنابر الإعلامية لإعادة صياغة الرواية السياسية في السودان. ويبقى السؤال الأهم: هل تقود هذه التحولات إلى بناء دولة القانون والمؤسسات، أم أنها تضيف طبقة جديدة إلى صراع الشرعيات والسرديات؟

إن السودان بحاجة إلى عدالة لا تعرف الانتقائية، وإلى مؤسسات تحترم الضحايا، وإلى وطن لا يحتكره أحد، بل يتسع لجميع أبنائه تحت مظلة القانون والمواطنة المتساوية.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *