عبدالعزيز بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان…يكتب في الحروب التقليدية توجد اسباب معلنة يمكن فهمها حتى لو اختلف الناس حول عدالتها نزاع حدودي صراع على السلطة احتلال اجنبي تمييز عرقي او مشروع سياسي واضح المعالم لكن المأساة السودانية منذ الخامس عشر من ابريل 2023 تبدو من اكثر الحروب غرابة وتعقيدا في التاريخ الحديث لأنها حرب بلا مشروع وطني حقيقي وبلا قضية جامعة وبلا مبرر ديني او اخلاقي او انساني يمكن ان يبرر استمرارها يوما واحدا لم تكن الحرب دفاعا عن عقيدة مهددة ولم تكن معركة تحرير وطني ضد احتلال اجنبي ولم تكن ثورة شعبية من اجل العدالة الاجتماعية ولم تكن نزاعا دستوريا حول تداول السلطة وفق مشروع سياسي واضح ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة اذا كانت الحرب بلا قضية وطنية حقيقية فلماذا تستمر الاجابة التي تتكرر في كثير من التحليلات السياسية والقانونية والاقتصادية تقول إن استمرار الحرب لم يعد مرتبطا بمصلحة السودان كدولة ولا بمصلحة المواطن السوداني كإنسان بل بمصالح شبكات سياسية ومالية وعسكرية استفادت من حالة الانهيار والفوضى ووجدت في الحرب بيئة مناسبة لاعادة انتاج النفوذ والثروة والسلطة الكارثة الحقيقية ليست فقط في اندلاع الحرب بل في تحويلها إلى مشروع دائم للاستثمار السياسي والاقتصادي فكل يوم تستمر فيه المعارك تتوسع اسواق السلاح وتتضاعف شبكات التهريب وتزداد ارباح اقتصاد الحرب بينما يخسر السودان دولته ومجتمعه ومستقبله وفي هذا السياق يثار كثيرا الحديث عن دور شبكات الحركة الاسلامية المرتبطة بالنظام السابق باعتبارها من القوى التي تملك خبرة طويلة في ادارة الدولة العميقة وفي توظيف الازمات لصالح البقاء السياسي ولا توجد حتى الآن احكام قضائية نهائية تثبت هذه الاتهامات لكن حجم التقارير الصحفية والتحليلات الدولية وشهادات ناشطين وسياسيين جعل هذه المسألة جزءا اساسيا من النقاش العام حول اسباب استمرار الحرب وتشير هذه التحليلات إلى مجموعة ادوات يقال إنها ساهمت في إطالة امد الصراع منها تحويل الحرب إلى خطاب تعبوي قائم على فكرة المعركة الوجودية بحيث يصبح اي صوت يدعو للسلام او التفاوض متهما بالخيانة او العمالة وبذلك يتم اغلاق المجال السياسي وتحويل المجتمع إلى بيئة تخشى السلام اكثر مما تخشى الحرب كما يثار الحديث عن اعادة تنشيط شبكات الدولة العميقة داخل مؤسسات الخدمة المدنية والاعلام والاجهزة الادارية بما يجعل مؤسسات الدولة جزءا من الصراع بدلا من ان تكون مؤسسات قومية محايدة تخدم جميع السودانيين وفي الجانب الاقتصادي تتكرر الاتهامات المتعلقة باستخدام شبكات المال والذهب والشركات التي تشكلت خلال سنوات حكم الانقاذ في تمويل المجهود الحربي وشراء الولاءات السياسية والاعلامية وهنا تتحول الحرب من مأساة انسانية إلى سوق ضخم للمصالح الخاصة حيث تصبح الفوضى نفسها مصدرا للثروة اما على المستوى السياسي فقد بدا واضحا خلال جولات التفاوض المختلفة ان هناك قوى لا ترغب في الوصول إلى تسوية حقيقية فكلما اقتربت فرص التهدئة ارتفعت لغة التخوين وازدادت الشروط التعجيزية وجرى التلويح بخيار الحسم العسكري رغم ان الواقع الميداني اثبت استحالة الحسم الكامل لأي طرف والاخطر من ذلك هو توظيف الاعلام الرقمي والشائعات في تعميق الانقسام الاجتماعي ونشر خطاب الكراهية والتحريض الاثني والجهوي وهو امر لا يهدد فقط فرص السلام الحالية بل يهدد وجود السودان نفسه كدولة موحدة في المستقبل ومن الناحية القانونية فإن استمرار الحرب رغم اتساع الكارثة الانسانية يضع جميع الاطراف امام مسؤوليات خطيرة بموجب قواعد القانون الدولي الانساني واتفاقيات جنيف التي تلزم اطراف النزاع بحماية المدنيين والامتناع عن استهداف الاعيان المدنية وضمان وصول المساعدات الانسانية كما ان التحريض على الكراهية والعنف وعرقلة جهود السلام وتمويل الانتهاكات قد يفتح الباب مستقبلا لمسؤوليات جنائية فردية وفق قواعد القانون الدولي الجنائي لقد تجاوزت الحرب منذ زمن بعيد اي ادعاء سياسي او عسكري يمكن تبريره فالمدن دمرت والملايين نزحوا والاقتصاد انهار والخدمة الصحية والتعليمية تفككت ولم يتحقق للسودانيين امن ولا استقرار ولا انتقال سياسي ولا مشروع وطني جديد ولهذا فإن الحقيقة القاسية التي يجب قولها بوضوح هي ان استمرار الحرب لم يعد يخدم السودان بل يخدم فقط شبكات المصالح التي تعيش على اقتصاد الدم والفوضى والانقسام وكلما طال امد الصراع ازدادت قوة المستفيدين منه وضعفت الدولة والمجتمع إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من البنادق ولا إلى خطابات التعبئة والكراهية بل يحتاج إلى مشروع وطني يعيد بناء الدولة على اساس المواطنة والعدالة وسيادة القانون ويفصل المؤسسة العسكرية عن الصراع الحزبي ويخضع التمويل العسكري والاقتصادي للرقابة والشفافية ويفتح الباب امام عدالة انتقالية حقيقية تمنع الافلات من العقاب وتضمن عدم تكرار المأساة فالحروب التي تبدأ بلا مشروع وطني تنتهي غالبا بأوطان مدمرة واجيال ضائعة والسلام ليس ضعفا كما يروج دعاة الحرب بل هو الشجاعة الحقيقية التي تنقذ ما تبقى من السودان نواصل بمشيئة الله بتاريخ 23 مايو 2026 شارك تصفّح المقالات بنك الخرطوم إلى أين؟؟؟