نيالا – نبض نيوز

في خطوة وُصفت بأنها تحمل أبعاداً إدارية واقتصادية وأمنية في آنٍ واحد، أصدر رئيس مجلس وزراء حكومة السلام التابعة لتحالف السودان التأسيسي “تأسيس” الأستاذ محمد حسن عثمان التعايشي قراراً بتعيين العميد شرطة مختار الحبيب أدم حامد مديراً عاماً لشرطة الجمارك السودانية، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية معقدة تتطلب إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز كفاءة الأجهزة المرتبطة بالتجارة والإيرادات العامة.

 

ويحمل القرار رقم (24) لسنة 2026 دلالات تتجاوز مجرد التغيير الإداري، إذ يأتي في مرحلة تسعى فيها حكومة السلام إلى إعادة هيكلة المؤسسات الحيوية وتحسين بيئة العمل في القطاعات المرتبطة بحركة التجارة والمعابر الحدودية، باعتبار أن الجمارك تمثل واحدة من أهم أدوات الدولة في ضبط الاقتصاد ومكافحة التهريب وتعزيز الإيرادات.

 

ويُنظر إلى شرطة الجمارك بوصفها خط الدفاع الأول أمام الجرائم الاقتصادية العابرة للحدود، كما أنها تمثل حلقة محورية في تنظيم حركة الصادرات والواردات، الأمر الذي يجعل من كفاءة إدارتها عاملاً حاسماً في استقرار الأسواق وتحسين مناخ الاستثمار والتجارة.

 

ويأتي تعيين العميد مختار الحبيب مدعوماً بسيرة علمية ومهنية متخصصة في مجالات الاقتصاد والعلوم الجمركية والعمل الشرطي، حيث تلقى تعليمه الأكاديمي في عدد من الجامعات السودانية، من بينها جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية، وجامعة الجزيرة، وجامعة الرباط الوطني، إلى جانب دراسات عليا في الاقتصاد بجامعة نيالا.

 

كما حصل على دبلوم العلوم الجمركية من معهد العلوم الجمركية بالخرطوم، فضلاً عن سلسلة من الدورات التخصصية المرتبطة بالنظم الجمركية الحديثة، والحكومة الإلكترونية، ومكافحة غسل الأموال، والتفتيش الجمركي، والتحقيق والتحري، إضافة إلى التدريب على أنظمة “الأسيكودا” العالمية الخاصة بالإدارة الجمركية الإلكترونية.

 

وتعكس هذه الخلفية مزيجاً من المعرفة الاقتصادية والخبرة الأمنية، وهو ما قد يساعد الإدارة الجديدة في التعامل مع التحديات المتشابكة التي تواجه قطاع الجمارك، خاصة في ظل تنامي أنشطة التهريب وضعف البنى المؤسسية وتراجع حركة الصادرات والواردات خلال السنوات الماضية.

 

ويرى مراقبون أن نجاح الإدارة الجديدة لن يُقاس فقط بحجم الإيرادات الجمركية، بل بمدى قدرتها على بناء جهاز مهني يتمتع بالكفاءة والشفافية والانضباط المؤسسي.

 

ففي الاقتصادات الحديثة، لم تعد الجمارك مجرد جهة لتحصيل الرسوم، بل تحولت إلى مؤسسة ذات أدوار استراتيجية تشمل حماية الاقتصاد الوطني، وتسهيل التجارة، وضبط الحدود، ومكافحة التهريب، وتطبيق المعايير الدولية الخاصة بحركة البضائع والمسافرين.

 

كما أن الأداء المهني لشرطة الجمارك يسهم بصورة مباشرة في تقليل الفساد الإداري والحد من التهرب الجمركي، الأمر الذي ينعكس على استقرار الأسواق وتوفير السلع وتقليل تكلفة الاستيراد والتصدير.

 

وتواجه الجمارك السودانية تحديات متراكمة، أبرزها ضعف البنية التقنية، واتساع الحدود، وغياب التنسيق الكامل بين المؤسسات ذات الصلة، فضلاً عن التحديات الأمنية التي أثرت بصورة مباشرة على حركة التجارة الداخلية والخارجية.

 

ويبدو أن العميد مختار الحبيب سيكون أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرته على إحداث نقلة نوعية في الأداء الجمركي، خاصة وأن المرحلة الراهنة تتطلب إدارة مرنة وقادرة على تحقيق التوازن بين تشديد الرقابة وتسهيل الإجراءات التجارية.

 

ومن أبرز الملفات التي ينتظر أن تحظى بالأولوية خلال المرحلة المقبلة تطوير الأنظمة الإلكترونية الخاصة بالتخليص الجمركي، وتفعيل الرقابة على المعابر والمنافذ الحدودية، ومكافحة التهريب، ورفع كفاءة الكوادر العاملة، فضلاً عن تعزيز الشفافية والحوكمة داخل المؤسسة الجمركية.

 

كما أن تطوير العمل الجمركي قد يسهم في إنعاش حركة الواردات والصادرات، عبر تقليل التعقيدات الإدارية وتسريع عمليات التخليص، وهو ما يمثل مطلباً أساسياً للتجار والمستثمرين وقطاع الأعمال.

 

ويرى اقتصاديون أن أي إصلاح حقيقي في قطاع الجمارك يجب أن يقوم على تحديث البنية التقنية وربط المنافذ الجمركية إلكترونياً، إلى جانب تطبيق معايير صارمة في مكافحة الفساد والالتزام بالقوانين والإجراءات المهنية.

 

ويظل التحدي الأكبر أمام الإدارة الجديدة هو ترسيخ مبدأ الشفافية داخل المؤسسة الجمركية، باعتبار أن هذا القطاع يُعد من أكثر القطاعات عرضة للتجاوزات المالية والإدارية في كثير من الدول النامية.

 

ويؤكد خبراء في الإدارة العامة أن نجاح أي قيادة جمركية يرتبط بقدرتها على فرض الانضباط المؤسسي، وتحقيق العدالة في تطبيق اللوائح، وتبسيط الإجراءات أمام المتعاملين، بعيداً عن التعقيدات التي تفتح الباب أمام الفساد والوساطات.

 

كما أن تعزيز ثقة المواطنين وقطاع الأعمال في جهاز الجمارك يتطلب إظهار قدر عالٍ من المهنية والنزاهة، إلى جانب بناء شراكات فعالة مع الأجهزة الأمنية والاقتصادية الأخرى.

 

ورغم أن التعيين حظي باهتمام واسع داخل الأوساط الإدارية والاقتصادية، إلا أن التحديات الميدانية تظل كبيرة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والأمنية التي تمر بها البلاد.

 

غير أن خبرة العميد مختار الحبيب في المجالات الجمركية والاقتصادية قد تمنحه فرصة لبناء رؤية إصلاحية تستند إلى التحديث المؤسسي والتقنيات الحديثة، بما يساعد في إعادة تنظيم حركة التجارة وضبط الإيرادات ومحاربة التهريب.

 

وفي حال نجحت الإدارة الجديدة في تنفيذ إصلاحات حقيقية داخل شرطة الجمارك، فإن ذلك قد ينعكس بصورة إيجابية على الاقتصاد الوطني، من خلال تحسين بيئة التجارة، وزيادة الإيرادات العامة، وتشجيع حركة الصادرات والواردات.

 

ويبقى السؤال الأهم الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة: هل سيتمكن العميد شرطة مختار الحبيب من تحويل شرطة الجمارك إلى مؤسسة أكثر مهنية وشفافية وكفاءة، قادرة على مواكبة التحديات الاقتصادية والأمنية؟ أم أن تعقيدات الواقع ستجعل مهمة الإصلاح أكثر صعوبة؟

 

الإجابة ستتحدد بمدى قدرة الإدارة الجديدة على الانتقال من مرحلة القرارات إلى مرحلة الإنجاز الفعلي على الأرض، في قطاع يُعد من أكثر القطاعات ارتباطاً بحياة المواطنين والاقتصاد الوطني.

نقلا عن فجر بريس

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *