عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان …يكتب هناك من يتحدث عن الحرب وكأنها مباراة سياسية وهناك من ينظر إليها من خلف الشاشات والأرقام والبيانات بينما يقف ملايين السودانيين في قلب الجحيم يواجهون الحقيقة المجردة بلا شعارات وبلا خطابات وبلا أوهام فالحرب التي امتدت لسنوات لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متصارعة بل أصبحت كارثة وطنية شاملة تلتهم الإنسان والأرض والاقتصاد والمستقبل وتحول حياة المواطنين إلى رحلة يومية من الخوف والجوع والنزوح والانتظار إلى دعاة الحرب وإلى الأصوات التي ما زالت تبحث عن مبررات لاستمرار القتال وإلى كل من يرى في الدم السوداني وقودا لمشروعاته السياسية أو العسكرية ماذا بقي بعد كل هذا الخراب حتى يستمر النزيف ماذا تبقى من المدن التي كانت تعج بالحياة وماذا تبقى من الأسر التي تفرقت بين المقابر ومعسكرات النزوح وحدود اللجوء وماذا تبقى من الاقتصاد الذي تحول من وسيلة لبناء الدولة إلى ساحة جديدة للحرب لا تقل خطورة عن ساحات المدافع والبنادق لقد أصبح السودان اليوم واقفا بين مطرقة الرصاص التي تحصد الأرواح كل يوم وسندان الدولار الذي يسحق ما تبقى من قدرة المواطنين على البقاء فالرصاصة تقتل الإنسان مرة واحدة أما الانهيار الاقتصادي فيقتله كل يوم عشرات المرات حين يعجز عن شراء الخبز أو الدواء أو دفع إيجار منزل أو تعليم أبنائه أو توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة في القرى والمدن والأحياء والأسواق تتكرر المشاهد ذاتها أصوات المدافع الثقيلة والقصف العشوائي والانفجارات التي تمزق سكون الليل وصراخ الأطفال الذين استيقظوا على أصوات الموت قبل أن يعرفوا معنى الحياة ومواكب النازحين التي تمتد على الطرقات تحمل ما استطاعت حمله من ذكريات وملابس وأحلام تاركة خلفها منازل تحولت إلى أنقاض وأحياء أصبحت أشباحا ومدنا فقدت ملامحها تحت ألسنة النار والدخان لم يعد النزوح مجرد خبر في نشرات الأخبار بل أصبح واقعا يوميا يعيشه ملايين السودانيين الذين وجدوا أنفسهم فجأة بلا مأوى وبلا دخل وبلا مستقبل واضح فالأب الذي كان يعمل ويعيل أسرته أصبح يبحث عن وجبة تسد رمق أطفاله والأم التي كانت تدير بيتها أصبحت تقف في طوابير المساعدات الإنسانية والأطفال الذين كان يفترض أن يكونوا في المدارس أصبحوا يكبرون في الخيام وبين أصوات القصف والخوف والحرمان أما الذين عبروا الحدود بحثا عن الأمان فقد حملوا معهم جراح الوطن وذكريات الفقدان ومرارة الغربة فمعاناة اللجوء ليست مجرد انتقال من دولة إلى أخرى بل هي اقتلاع للإنسان من جذوره ومن تفاصيل حياته ومن أحلامه التي بناها عبر سنوات طويلة إنها تجربة قاسية تجعل الإنسان معلقا بين وطن لا يستطيع العودة إليه ومستقبل لا يعرف متى يبدأ وفي الوقت الذي تحصد فيه المدافع الأرواح تواصل حرب أخرى أكثر هدوءا وأكثر قسوة وهي حرب الاقتصاد فالدولار أصبح سلاحا مدمرا لا يقل خطورة عن القذائف والصواريخ وكل ارتفاع في سعره يعني انخفاضا جديدا في قيمة الجنيه السوداني وتآكلا إضافيا في دخول المواطنين ومع كل يوم جديد ترتفع أسعار السلع الأساسية ويتراجع مستوى المعيشة وتزداد معاناة الأسر التي أصبحت عاجزة عن ملاحقة موجات الغلاء المتتالية لقد تحولت الأسواق إلى ساحات معركة اقتصادية مفتوحة حيث تتبدل الأسعار خلال ساعات وتتآكل المدخرات وتتراجع القوة الشرائية بصورة غير مسبوقة وأصبح المواطن السوداني يقف أمام رفوف المتاجر وهو يدرك أن ما كان يستطيع شراءه بالأمس أصبح اليوم خارج قدرته وأن ما يستطيع شراءه اليوم قد يصبح غدا حلما بعيد المنال الحرب لم تدمر المباني فقط بل دمرت البنية الاقتصادية للدولة وعطلت الإنتاج وأوقفت المصانع وأضعفت الزراعة وأربكت التجارة وأفقدت البلاد جزءا كبيرا من مواردها وفرصها التنموية وعندما يتوقف الإنتاج ويهاجر المستثمرون وتتراجع حركة الأسواق تصبح الدولة كلها رهينة للأزمات المالية والتقلبات الاقتصادية الحادة إن المأساة السودانية اليوم ليست مجرد أرقام عن قتلى وجرحى ونازحين ولا مجرد بيانات عن التضخم وتراجع العملة الوطنية بل هي قصة شعب كامل يدفع ثمن حرب لم يخترها ويدفع ثمن صراعات لا تخدم مصالحه ويدفع ثمن حسابات سياسية وعسكرية لا يرى منها سوى الدمار والخوف والفقر وفي قلب هذه المأساة يقف المواطن السوداني وحيدا في مواجهة قوتين مدمرتين الأولى قوة الرصاص التي تهدد حياته مباشرة والثانية قوة الانهيار الاقتصادي التي تستنزف قدرته على الصمود والبقاء وبين هاتين القوتين تتآكل أحلام الملايين ويتحول المستقبل إلى مساحة غامضة يكتنفها القلق والخوف وعدم اليقين السودان لا يحتاج إلى المزيد من البنادق ولا إلى المزيد من الخطابات التي تؤجج الصراع ولا إلى المزيد من المبررات التي تبرر استمرار الحرب بل يحتاج إلى صوت العقل وإلى إرادة السلام وإلى مشروع وطني يعيد الاعتبار للإنسان السوداني ويحفظ كرامته وحقه في الحياة والأمن والاستقرار لقد أثبتت التجارب أن الحروب قد تصنع منتصرين على الورق لكنها تترك أوطانا مهزومة وشعوبا مكسورة واقتصادات منهارة وأجيالا مثقلة بالجراح وأن الثمن الحقيقي لا يدفعه القادة ولا أصحاب النفوذ بل يدفعه المواطن البسيط الذي فقد منزله أو ابنه أو مصدر رزقه أو مستقبله سيظل التاريخ يسجل أن الشعب السوداني كان الضحية الأكبر لهذه الحرب وأن الوطن كله دفع ثمنا باهظا من دمه واستقراره واقتصاده ووحدته الاجتماعية وسيظل السؤال مطروحا أمام كل من ساهم في استمرار هذا النزيف ماذا ربح السودان من كل هذا الخراب ومتى يدرك الجميع أن الوطن لا يبنى بالرصاص وأن قيمة الدول لا تقاس بعدد البنادق بل بقدرتها على حماية الإنسان وصون كرامته وتحقيق السلام والعدالة والتنمية إن السودان الذي أنهكته المدافع وأثقلته الأزمات الاقتصادية يستحق فرصة للحياة ويستحق مستقبلا مختلفا يستحق أن يخرج من دائرة الدم إلى فضاء السلام ومن سطوة السلاح إلى قوة القانون ومن حصار الدولار إلى اقتصاد منتج وقادر على النهوض ومن معسكرات النزوح واللجوء إلى وطن آمن يتسع لجميع أبنائه لأن الأوطان لا تعيش بالحروب وإنما تعيش بشعوبها وحين ينكسر الشعب لا يبقى للوطن شيء سوى الحزن والخراب نواصل بمشيئة الله بتاريخ 21/يونيو /2026 شارك تصفّح المقالات حين تتحول الإغاثة إلى وسيلة للابتزاز: المنظمات الإنسانية أمام اختبار المسؤولية الإنسانية والأخلاقية الطيران المصري يحرك أحجار الدومينو؟!