بقلم عمار سعيد إن ما شهدته منطقتا أبو قمرة وكلبس من تسلل محدود لعناصر تابعة لما يُعرف بالقوات المشتركة، أعقبه انسحاب سريع عقب التقاط الصور وتوثيق المشاهد، يعكس – وفق القراءة العسكرية والإعلامية – نمطًا من العمليات ذات البعد الدعائي أكثر من كونها عمليات تهدف إلى إحداث تغيير ميداني حقيقي. فالتحركات العسكرية التي لا تتبعها قدرة على الاحتفاظ بالأرض أو إنشاء نقاط ارتكاز أو تأمين خطوط الإمداد والتموين، تظل في إطار الرسائل الإعلامية المؤقتة، وليست مؤشراً على تحول في ميزان القوى. لذلك فإن تصوير الدخول السريع ثم المغادرة لا يرقى إلى مستوى الإنجاز العسكري بقدر ما يمثل محاولة لصناعة انطباع إعلامي يستهدف رفع المعنويات أو التأثير على الرأي العام. وتشير الوقائع الميدانية، بحسب هذا الطرح، إلى أن هذه القوات فقدت الكثير من قدرتها على التأثير في تلك المناطق، ولم يعد أمام بعض قياداتها سوى اللجوء إلى عمليات خاطفة تُستثمر إعلامياً، في ظل الضغوط السياسية والعسكرية التي تواجهها، إضافة إلى الانتقادات الواسعة التي طالت بعض منسوبيها بسبب الانتهاكات المنسوبة إليهم، الأمر الذي أضعف حضورها السياسي والاجتماعي وقلّص من مساحة التعاطف معها. كما ينبغي النظر إلى طبيعة الحدود في غرب دارفور بواقعية؛ فهي حدود طويلة ومفتوحة، تتداخل فيها الامتدادات القبلية والاجتماعية بين جانبي الحدود، وهو ما يجعل حركة الأفراد عبر بعض المناطق أمراً يصعب منعه بصورة كاملة. وهذه ليست حالة استثنائية، إذ تواجه دول ذات إمكانات أمنية وتقنية هائلة تحديات مستمرة في مكافحة التهريب، وضبط الحدود، ومنع انتقال الأسلحة أو الهجرة غير النظامية، رغم ما تمتلكه من موارد وإمكانات متقدمة. وعليه، فإن حدوث تسلل محدود في منطقة حدودية لا يمكن اعتباره دليلاً على تغيير موازين السيطرة أو انهيار المنظومة الأمنية، وإنما يجب تقييمه في سياقه الطبيعي المرتبط بطبيعة الجغرافيا الحدودية وتعقيداتها. أما المعيار الحقيقي فيبقى القدرة على فرض السيطرة المستدامة، وحماية السكان، وإدارة الأرض، وتأمينها على المدى الطويل، وهي معايير تختلف جذرياً عن الظهور المؤقت أمام عدسات الكاميرات. وفي نهاية المطاف، فإن المعارك الإعلامية قد تحقق انتشاراً مؤقتاً، لكنها لا تستطيع وحدها تغيير الحقائق الميدانية. فالسيطرة الفعلية تُقاس بالقدرة على البقاء، وإدارة المناطق، وتأمين المواطنين، وليس بمجرد الدخول السريع لالتقاط صورة ثم الانسحاب. شارك تصفّح المقالات العدالة تحت الحصار… عندما تتغلب السياسة على القضاء