إيهاب مادبو..يكتب ليس في السياسة ما ينسى، فالتاريخ لا يحتفظ بالبيانات الرسمية، بل يحتفظ بالصور التي تكشف حقيقة المواقف والصورة التي حملها الوفد السعودي إلى طهران لتقديم واجب العزاء ليست مجرد لقطة بروتوكولية، بل مشهد سياسي مكتمل الأركان، سيبقى حاضراً في ذاكرة المنطقة بوصفه أحد أكثر التحولات إثارة للجدل في تاريخ العلاقة بين الرياض وطهران. لسنوات طويلة، بني الخطاب السعودي على أن إيران تمثل الخطر الأكبر على أمن الخليج واستقراره، وأن مشروعها الإقليمي قائم على تصدير النفوذ وإثارة الاضطرابات، وامتلأت المنابر السياسية والإعلامية بخطابات المواجهة، حتى بدا أن الصراع بين الطرفين صراع وجود لا يقبل المساومة. إن زيارة وفد سعودي رسمي إلى طهران في هذا التوقيت، ومنح القيادة الإيرانية هذا الحضور السياسي والرمزي، أنه أكثر من مجاملة دبلوماسية، بل إنه اعتراف عملي بأن لغة القوة التي طالما رفعت قد انكسرت أمام ضرورات السياسة، وأن الخطوط الحمراء التي قيل إنها لاتمس أصبحت قابلة للمراجعة متى اقتضت المصلحة. إن الدول التي تبني شرعيتها السياسية على مواقفها لا تملك رفاهية التراجع عنها دون أن تدفع ثمنا معنويا، فكل شعار يرفع لسنوات ثم يطوى في لحظة، يفقد معه جزءاً من مصداقيته، وكل خطاب تعبوي ينتهي إلى مصافحة الخصم يفتح الباب أمام سؤال مشروع: “هل كانت تلك المواقف قناعة راسخة، أم مجرد أدوات ظرفية؟” لقد اعتادت الأنظمة أن تبرر مثل هذه التحولات باسم الواقعية السياسية، لكن الواقعية لا تعني محو الذاكرة، ولا تعني أن يتحول الخصم الذي صوِّر لعقود باعتباره التهديد الأكبر إلى شريك في مشهد يحمل كل هذه الرمزية دون تفسير يقنع الرأي العام. إن قوة الدول لاتقاس فقط بما تمتلكه من نفوذ أو سلاح، بل أيضاً بقدرتها على صيانة هيبة مواقفها، وحين تصبح المبادئ قابلة للتبديل مع تغير اتجاه الرياح، فإن الخاسر الأول ليس السياسة، بل الثقة التي بنيت عليها تلك السياسة. سيختلف الناس في توصيف ما جرى؛ فهناك من يراه براغماتية سياسية، وهناك من يعتبره ضرورة فرضتها موازين الإقليم، ولكن اري فيه عنواناً مختلفاً تماماً انتقالاً من موقع المواجهة إلى موقع المهادنة، ومن خطاب الصلابة إلى خطاب التنازل، ومن الكبرياء السياسي إلى الخنوع. وفي النهاية، لا يحاكم التاريخ النوايا، بل يحاكم الأفعال. وحين تكتب فصول هذه المرحلة، فلن تُستحضر الخطب الرنانة، بل ستستحضر تلك اللحظة التي رأى فيها كثيرون أن الشعارات التي رفعت لعقود انحنت أمام مقتضيات السياسة، وأن ما كان يقدم بوصفه معركة مبادئ انتهى إلى مشهد مصافحة ومواساة. شارك تصفّح المقالات من هو العدو؟ كيف نمنع إعادة إنتاج الاستبداد؟ المقالة التالية