عبدالعزيز بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان ..يكتب لم تعد الحرب في السودان مجرد معارك تدور بين اطراف النزاع ولم تعد مجرد اخبار تتناقلها الشاشات او ارقام تضاف الى نشرات الاحصاء بل اصبحت واقعا يوميا يعيشه ملايين السودانيين في كل لحظة حتى صار الموت جزءا من تفاصيل الحياة وصار البقاء على قيد الحياة معركة اخرى لا تقل قسوة عن صوت السلاح لقد وجد الشعب السوداني نفسه في مواجهة اشكال متعددة من الموت لا يجمعها سوى انها جميعا تنتزع الانسان من حقه الطبيعي في الحياة والامن والكرامة وهو الحق الذي كفلته الشرائع السماوية والمواثيق الدولية والدساتير الوطنية قبل ان تعرفه القوانين الوضعية ولم يعد الموت في السودان يحمل وجها واحدا بل صار يتنقل بين الناس في صور مختلفة مرة في هيئة رصاصة ومرة في هيئة جوع ومرة في هيئة مرض ومرة في هيئة حسرة تسكن القلوب حتى تقتلها وهي ما تزال تنبض هناك من يخرج من منزله باحثا عن رغيف خبز فلا يعود وهناك طفل لم يكن يعرف من الدنيا سوى اللعب فوجد نفسه رقما جديدا في سجل الضحايا وهناك شيخ افنى عمره في خدمة اسرته انتهت رحلته دون ان يجد حتى فرصة لوداع احبته وليس اشد قسوة من ان يصبح الخوف رفيقا دائما لكل انسان وان تتحول الطرقات والاسواق والاحياء الى اماكن يختلط فيها الامل بالخطر فلا يعلم المرء هل يعود الى اسرته ام يكون ذلك اليوم هو اخر ايامه ثم ياتي الموت الاكثر بطئا وهو الموت بالجوع ذلك الموت الذي لا يسقط الانسان دفعة واحدة بل ينتزع منه الحياة جزءا بعد جزء حتى يضعف الجسد وتنطفئ الروح وتنكسر الكرامة كم من ام نامت وهي تخفي دموعها عن اطفالها بعدما عجزت عن توفير لقمة تسد جوعهم وكم من اب وقف عاجزا امام عيون ابنائه وهو لا يملك سوى الدعاء وكم من طفل نام على بطن خاوية لا يفهم لماذا اصبح الطعام حلما بعيد المنال ان الجوع لا يقتل المعدة وحدها بل يقتل الاحلام ويقتل الطفولة ويقتل الشعور بالامان ويزرع اليأس في النفوس حتى يصبح البقاء نفسه عبئا ثقيلا ثم ياتي المرض ليكمل دائرة الوجع فيجد المريض نفسه بين الم الحاجة وعجز الامكانات فيصبح الدواء بعيدا والعلاج عسيرا والمستشفى عاجزا عن تقديم ما يحتاجه الانسان في الوقت الذي يكون فيه اشد احتياجا للحياة كم من مريض ظل ينتظر دواء لم يصل وكم من ام احتضنت طفلها وهي ترى المرض ينهش جسده ولا تملك سوى البكاء وكم من اب اغلق عينيه وهو يعلم ان علاجه موجود لكنه خارج حدود قدرته ولعل اقسى انواع الموت هو ذلك الذي لا يكتب في شهادات الوفاة ولا يظهر في سجلات الاحصاء وهو الموت بالحسرة حسرة الطالب الذي ضاع مستقبله بعدما اغلقت المدارس والجامعات وضاعت سنوات عمره بين النزوح والخوف وحسرة الاب الذي كان مصدر قوة لاسرته فاصبح عاجزا عن حمايتهم او اطعامهم وحسرة الام التي تحملت فوق طاقتها حتى اصبحت تخفي دموعها حتى لا تنهار اسرتها وحسرة النازح واللاجئ الذي خرج من بيته مكرها وهو لا يعلم هل سيعود يوما ام سيظل يحمل وطنه في ذاكرته فقط وحسرة كل سوداني يرى وطنه الذي احبه يتآكل امام عينيه ولا يملك الا الدعاء والانتظار لقد صبر السودانيون صبرا يعجز عنه الوصف صبروا على الفقد وعلى النزوح وعلى التشرد وعلى الجوع وعلى المرض وعلى الخوف وعلى انكسار الاحلام وظلوا يتمسكون بالامل رغم كل ما احاط بهم من مآس لكن الصبر في جوهره ليس استسلاما وليس قبولا باستمرار المعاناة وانما هو قوة تمنح الانسان القدرة على احتمال الالم حتى يجد طريقا للخلاص واليوم يقف السودانيون بعد سنوات طويلة من الوجع وهم يتساءلون الى متى يبقى الانسان مطالبا بان يصبر على كل هذا الموت والى متى يبقى الحق في الحياة مؤجلا والى متى تستمر معاناة شعب لا يريد سوى ان يعيش بسلام وكرامة وامن لقد تعب السودانيون من عد الضحايا ومن تشييع الاحبة ومن حمل الذكريات الثقيلة ومن انتظار الغد الذي لا يأتي تعبوا من النوم على صوت الخوف والاستيقاظ على خبر جديد من اخبار الفقد تعبوا من رؤية الاطفال يكبرون قبل اوانهم ومن رؤية الامهات يخفين دموعهن حتى لا ينهار ما بقي من الامل ان الشعب السوداني لا يطلب المستحيل ولا يبحث عن امتيازات خاصة بل يطالب بحقه الاصيل في الحياة وبحق اطفاله في الامن وبحق مرضاه في العلاج وبحق شبابه في المستقبل وبحق شيوخه في ان يعيشوا ما بقي من اعمارهم بكرامة لقد عرف السودانيون كل الوان الموت حتى صار الموت بالنسبة اليهم وجها مألوفا ولكن الانسان لم يخلق ليعتاد المأساة ولم يخلق ليعيش عمره كله منتظرا دوره في قائمة الضحايا لقد بلغ الوجع مداه وبلغ الصبر منتهاه ولم يعد في القلوب متسع لمزيد من الفقد ولا في الاعين قدرة على احتمال المزيد من الدموع السودانيون لا يريدون الموت باي صورة كانت ولا يريدون ان يصبح الصبر قدرا ابديا انهم يريدون حياة تحفظ الكرامة وتصون الانسان وتعيد للوطن امنه وللاطفال ضحكتهم وللامهات طمأنينتهن وللشباب احلامهم وللشيوخ سكينتهم فما من شعب يستطيع ان يعيش الى الابد تحت ظل الموت وما من وطن يمكن ان يبنى على اشلاء ابنائه ودموع امهاته وانين مرضاه وجوع اطفاله لقد نفد صبر السودانيين على الموت بكل صوره وحان الوقت لان تكون الحياة هي الانتصار الحقيقي الذي يستحقه هذا الشعب نواصل بمشيئة الله بتاريخ 3/يوليو /2026 شارك تصفّح المقالات محاولة لتتبع أثرُ الفَراشَةِ في حرب السودان؟!