عبدالعزيز بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان..يكتب ليست أخطر الحروب تلك التي تمتلئ فيها السماء بالطائرات أو الأرض بالمدافع وإنما أخطرها تلك التي تنجح في تحويل الحياة نفسها إلى معركة يومية من أجل البقاء وحين يصبح الحصول على رغيف الخبز أصعب من احتمال صوت الرصاص وحين تتحول علبة الدواء إلى حلم بعيد ويغدو التعليم امتيازا لا حقا وتصبح الهجرة أمنية لكل من بقي فإن الوطن لا يكون قد خسر معركة عسكرية فحسب بل يكون قد بدأ يخسر نفسه هذا هو السودان اليوم وطن ينزف في كل اتجاه حرب مستمرة واقتصاد ينهار وخدمات تتداعى وملايين البشر يحملون فوق أكتافهم أثقال الجوع والخوف والنزوح والانتظار حتى أصبح السؤال الذي يطارد كل سوداني ليس كيف يعيش حياة كريمة وإنما كيف ينجو بيوم جديد إن انهيار العملة ليس رقما يعلنه البنك المركزي ولا مؤشرا اقتصاديا يتناقله المحللون بل هو الوجه الآخر لمعاناة الإنسان حين يفقد راتبه معناه وتفقد مدخراته قيمتها ويقف عاجزا أمام أسعار تتضاعف بلا رحمة حتى أصبح الجنيه السوداني الذي كان يوما أداة للحياة عاجزا عن حماية أبسط مقوماتها كل انخفاض جديد في قيمة العملة يعني أسرة جديدة تدخل دائرة الفقر ومريضا جديدا يعجز عن شراء الدواء ومزارعا يتوقف عن الإنتاج وتاجرا يغلق متجره وشابا يقرر أن يترك وطنه بحثا عن فرصة في أرض أخرى ومع كل ذلك تخسر الدولة جزءا جديدا من قدرتها على الوقوف لكن المأساة لا تقف عند حدود الاقتصاد فحين تنهار العملة تنهار معها المستشفيات لأن الدواء يستورد بالعملة الصعبة وتنهار المدارس لأن المعلم لم يعد قادرا على العيش وتنهار الجامعات لأن الكفاءات ترحل وتنهار الخدمات الأساسية لأن الدولة نفسها أصبحت عاجزة عن تمويل أبسط واجباتها تجاه مواطنيها لقد أصبح السوداني يدفع ثمن الحرب مرتين مرة حين يسمع صوت السلاح ومرة حين يعود إلى منزله فلا يجد كهرباء ولا ماء ولا دواء ولا قدرة على شراء احتياجات أسرته وكأن الحرب لم تكتف بسلب الناس أمنهم بل قررت أن تسلبهم حقهم في الحياة والأشد قسوة أن انهيار الاقتصاد وانهيار الخدمات يغذي أحدهما الآخر في دائرة لا تعرف الرحمة فكلما ضعفت العملة تقلصت قدرة الدولة على تقديم الخدمات وكلما تراجعت الخدمات تراجع الإنتاج وازدادت البطالة واتسعت رقعة الفقر فيستمر الانهيار بوتيرة أسرع حتى تصبح الدولة بأكملها أسيرة لهذا المسار المدمر وما يبعث على القلق أن السودان يقترب من لحظة قد يصعب بعدها إصلاح ما تهدم فالمجاعة لم تعد احتمالا نظريا بل واقعا يهدد ملايين المواطنين وهجرة الأطباء والمعلمين والمهندسين والمحامين وأصحاب الكفاءات تستنزف أهم ما تملكه البلاد وهو الإنسان بينما تتآكل مؤسسات الدولة يوما بعد يوم وتتراجع قدرتها على أداء وظائفها الأساسية إن الأوطان لا تسقط حين تهزم جيوشها فقط وإنما تسقط أيضا حين يفقد المواطن ثقته في الغد وحين يشعر أن وطنه لم يعد قادرا على حمايته أو علاجه أو تعليمه أو تأمين قوت أطفاله وعندها يصبح النزوح أو اللجوء أو الهجرة خيارا يفرضه اليأس لا الرغبة إن ما يعيشه السودان اليوم ليس مجرد أزمة اقتصادية ولا مجرد تداعيات حرب بل هو امتحان تاريخي لمستقبل وطن كامل فإما أن ينتصر صوت الحكمة ويتوقف نزيف الحرب وتبدأ عملية إنقاذ الاقتصاد وإعادة بناء مؤسسات الدولة وإما أن يستمر الانحدار حتى يصبح ما تبقى من السودان مجرد اسم على الخريطة بلا اقتصاد وبلا مؤسسات وبلا إنسان قادر على الحياة إن السلام لم يعد شعارا سياسيا يرفع في المنابر بل أصبح الشرط الأول لبقاء الدولة نفسها فكل يوم تستمر فيه الحرب يعني مزيدا من انهيار العملة ومزيدا من انهيار الخدمات ومزيدا من الفقر والجوع والنزوح ومزيدا من اتساع المسافة بين السودان الذي عرفناه والسودان الذي نخشى أن نورثه للأجيال القادمة ولعل أكثر ما يحتاجه السودان ليس مزيدا من البنادق ولا مزيدا من الشعارات وإنما قرار شجاع يعيد للإنسان السوداني حقه في الحياة ويعيد للدولة قدرتها على حماية شعبها ويعيد للوطن مكانته قبل أن يكتب التاريخ أن أمة كاملة لم تسقط بسبب نقص الموارد وإنما سقطت لأنها تأخرت كثيرا في إيقاف الحرب نواصل بمشيئة الله بتاريخ 5/يوليو /2026 شارك تصفّح المقالات المقالة السابقة التعليم بوابة التعافي الوطني.. إعمار وصيانة جامعة الفاشر وجامعات دارفور مسؤولية مشتركة لا تحتمل التأجيل