نفيسة حجر…تكتب

​لم تعد الحرب السودانية مجرد جولة أخرى من صراع الجنرالات التقليدي على كراسي النفوذ، بل تكشفت أوراقها العارية كمعركة وجودية أحكمت فيها الحركة الإسلامية قبضتها على المشهد. والبرنامج الوثائقي الاستقصائي الذي بثته قناة “سكاي نيوز عربية” مؤخراً لم ينزع سوى ورقة التوت الأخيرة فنحن لا نواجه مجرد اختراق عابر، بل نحن أمام سيطرة تامة وممنهجة على عقيدة ومفاصل وقرار القوات المسلحة السودانية من قبل كتائب الظل وواجهاتها الأيديولوجية المسلحة.

​وتفكيك هذه اللعبة الجارية في بورتسودان يضعنا مباشرة أمام معادلة انتهازية لتبادل المصالح طرفها الأول قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي يتحرك بـ شهوة عارمة للحكم وتثبيت سلطة فردية مطلقة وهو ما تفطن له وحذر منه مؤخراً قادة تيارات سياسية وازنة، وفي مقدمتهم رئيس حزب الأمة، مبارك الفاضل، الذي اتسم موقفه الأخير بالوضوح والحدة في نقد مسار مجموعة بورتسودان فرغم أنه كان في بداية الحرب داعماً ومسانداً بقوة لموقف القوات المسلحة ومؤسسات بورتسودان، إلا أن رؤيته السياسية أدركت لاحقاً خطورة الارتهان الكامل للقرار العسكري والسياسي لصالح أجندة تنظيم عقائدي يقصي الجميع ويقود البلاد نحو التفتت ورفض كل مسارات الحل السلمي.

أما الطرف الثاني في هذه المعادلة، فهو تنظيم عقائدي مسلّح، وجد ضالته في هذه الشهوة، فقدم للبرهان الرافعة العسكرية على الأرض والغطاء الدعائي، في مقابل أن يمنحهم “البدلة العسكرية” كواجهة شرعية وقانونية يخاطبون بها المجتمع الدولي، ويتحركون خلف ستارها للعودة إلى مفاصل الدولة والانتقام من ثورة ديسمبر المجيدة.

ومن هنا، يصبح استمرار الحرب ونزيف الدم السوداني هو شريان الحياة الوحيد وبوابة البقاء لهذا التحالف الثنائي، مما يغلق تماماً أي أفق لحل سلمي أو تفاوض حقيقي.

​وإذا كانت مواجهة الذات شجاعة، فإن الاعتراف يؤكد بأن تمدد البندقية اليوم هو الابن الشرعي للاختلالات السياسية التي صاحبت إدارة الفترة الانتقالية من قِبل النخبة المدنية بكافة أطيافها عقب سقوط النظام في 2019 حيث وقع الجميع في فخ التقديرات الخاطئة وازدواجية المعايير.

فالأمر لم يكن قرار فصيل واحد، بل كان خياراً سياسياً جماعياً ومقاربة تشاركية التقت حولها كل المكونات الحزبية بما فيها الحزب الشيوعي السوداني الذي كان جزءاً أصيلاً ومشاركاً في كل مراحل صياغة وتوقيع الوثيقة الدستورية في أغسطس 2019، وأحد الأركان الرئيسية التي قادت التفاوض مع المجلس العسكري.

لم يكن الحزب الشيوعي مجرد مراقب، بل كان شريكاً ومشاركاً في صياغة المشهد فرغم إعلانه النظري عدم المشاركة في المحاصصة الوزارية المباشرة، إلا أنه شارك بفعالية خلف الكواليس في تزكية وترشيح أسماء من التكنوقراط والشخصيات القريبة من خطه السياسي لحكومة حمدوك الأولى. والأهم من ذلك، أنه ظل ممثلاً ومؤثراً داخل المجلس المركزي للحرية والتغيير ولجانه المتخصصة حيث ساهم عبر تواجده في “اللجنة الاقتصادية” للتحالف، وفي “لجنة تفكيك تمكين نظام الثلاثين من يونيو”، ناهيك عن تواجده المؤثر في تشكيل “اللجان التسييرية للنقابات” والاتحادات المهنية، في خلق حالة من التجاذبات الحادة والتقاطعات السياسية مع الجهاز التنفيذي للدولة، مما تسبب في تخبط السياسات الاقتصادية والإدارية الأولى وصراع الرؤى داخل معسكر الثورة، قبل أن يختار الحزب الانسحاب من التحالف في نوفمبر 2020 بعد أن تفاقمت الأزمة وتكشفت عيوب الوثيقة.

​والتناقض الصادم هنا يكمن في أن هذه النخبة السياسية مجتمعة، وفي ذات الوقت الذي ذهبت فيه لتوقيع اتفاق الشراكة مع اللجنة الأمنية للبشير وقوات الدعم السريع (التي أُسست وقُننت بمرسوم وتشريع من برلمان النظام البائد)، مارست في الوقت نفسه فيتو الإقصاء والعزل بحجة “مشاركة النظام البائد” ضد كيانات ورجالات وطنية ومدنية أخرى.

هذا النهج الإقصائي جرّد النخبة الحاكمة حينها من تماسكها الأخلاقي، وفتح الباب أمام استقطاب حاد استغلته قوى مدنية وحركات مسلحة سقطت هي الأخرى في فخ الانتهازية السياسية والثأر الشخصي؛ فبدلاً من معالجة الاختلالات داخل البيت المدني، اتخذت من ذلك الإقصاء ذريعة للتحالف مع العسكر والفلول، وصناعة ما عُرف بـ “مجموعة الميثاق الوطني”، لتتوج مسارها الارتدادي بمسرحية “اعتصام الموز” التي وفرت الغطاء السياسي الكامل لانقلاب 25 أكتوبر 2021، في طعنة غادرة ومباشرة لخاصرة التحول الديمقراطي.

​واليوم، يدفع السودان ثمن هذا التخبط التاريخي حيث تواجه السيطرة الإخوانية التامة فضاءً مدنياً يعاني من تفتت بنيوي كامل وجزر معزولة ومتناحرة ما بين منصات تحالفات تقليدية استمرأت أخطاء الماضي، وتيارات وسطية مبعثرة، وقوى راديكالية فضّلت الانكفاء على خياراتها المتأخرة بعد أن شاركت في التأسيس للأزمة، وقوى ثورية حية منقسمة على واجهات متعددة.

هذا التشرذم يمنح كتائب بورتسودان أعظم هداياها الاستراتيجية، وهي “شرعية الفراغ” فالشارع السوداني المنهك، والجائع، والمشرد، عندما يلتفت ولا يجد كتلة مدنية صلبة وموحدة تملك مشروعاً ناضجاً وموثوقاً لإنقاذه، يضطر مرغماً للاستسلام لسلطة الأمر الواقع بحثاً عن سلة غذاء أو أمان مؤقت.

​إن بناء حكم مدني ديمقراطي مستدام في السودان سيبقى وهماً ما لم يتم التأسيس لجيش مهني وقومي واحد ينأى بنفسه عن العمل الحزبي والأيديولوجي. وتفكيك هذا الواقع لن يبدأ من طاولات المفاوضات السياسية الهشة التي أعادت إنتاج الأزمات سابقاً، بل يبدأ من مواجهة القوى المدنية لأخطائها وتطهير بنيتها أولاً.

على القوى المدنية والسياسية بكافة لافتاتها أن تدرك أن الخوف المشترك من ضياع الدولة النهائي يجب أن يكسر جمود مرارات الماضي والتنافس الحزبي على القيادة.

الخطوة الأولى هي الترفع عن المكاسب الضيقة، والمراجعة الشجاعة لأخطاء الفترة الانتقالية والانتقائية الإقصائية التي شارك فيها الجميع دون استثناء، والالتفاف حول جبهة عريضة تفرض ميثاق شرف وطني يملك مشروعاً حقيقياً لـ “سودان ما بعد الحرب”. وعندما تتحد الكلمة المدنية على رؤية صلبة ومبدئية، يفقد السلاح شرعيته الأخلاقية، وتتحول تلك الشبكات العقائدية من قوى مهيمنة إلى جماعات معزولة وملاحقة ليس فقط شعبياً وتاريخياً، بل وقانونياً أمام محاكم ومؤسسات القانون الدولي وحقوق الإنسان، باعتبار أن انتهاكاتها وجرائمها قد ارتقت إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية التي لا تسقط بالتقادم ولا تجدي معها تكتيكات الاختباء خلف البدلة العسكرية.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *