خالد عبيد..يكتب

(الْإِيرَانِيُّونَ هُمُ الْمُفَاوِضُ الْحَقِيقِيُّ لِـ«تَأْسِيسٍ»، بِلِسَانِ الْحَرَكَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ)

-خالد عبيد

“اعرف عدوك، واعرف نفسك، فلن تخشَ نتيجة مئة معركة.” — سون تزو

 

يقول مدير مكتب الجزيرة في إيران، عبد القادر فايز:«الشخصية الإيرانية شخصيةٌ مركبة؛ تؤمن بالشيء ونقيضه. والفكر النفعي والمصلحي في تحقيق الغاية يجعلها دائمًا تضع خططًا مركبة ومتعددة الطبقات، وقد تكون هذه الخطط متناقضة.

 

وهناك حكاية في التراث الفارسي القديم، لا أعلم إن كنت مطلعًا عليها. فقد سأل أحد الأشخاص آخر، باللغة الفارسية: برأيك، من هو الفارسي الأصيل؟

 

وكان جواب الآخر – وهي قصة مذكورة في كتب التراث الإيراني، وأصبحت مثلًا، وإن لم يعد متداولًا كثيرًا –:

 

الفارسي الأصيل هو الذي يتحدث بشيء، وفي ذهنه شيءٌ ثانٍ، وفي قلبه شيءٌ ثالث، وفي جيبه شيءٌ رابع، ولديه خطةٌ بديلة خامسة إذا فشلت كل هذه الأشياء.

 

هذا المعنى تجده متجذرًا بعمق في التراث الفارسي.» انتهى

 

غافلٌ من يظن أن «المهراجا» البرهان، الراقص على رؤوس الأفاعي، يرقص من تلقاء نفسه.

 

فالمهراجا الإسلاموي، بحسب هذا الطرح، ليس سوى دميةٍ بيد الحرس الثوري الإيراني، يستعين بالخبرات الإيرانية والمصرية والتركية في إدارة المفاوضات

 

هنري كيسنجر، كان يُبدي احترامًا للدبلوماسية الإيرانية، وأهدى نسخة من كتابه Diplomacy إلى وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف مع إهداء وصفه فيه بـ”عدوي المحترم”، في إشارة إلى احترامه لقدراته التفاوضية، رغم الخلاف السياسي، لذلك لا ينبغي الاستهانة بالعدو وقدراته التفاوضيه والعسكريه والضرر الذي قد يسببه اذا ترك بلا حسيب او رقيب .

 

ليس في السياسة ما هو أشدُّ فتكًا من الحاكم الذي يجعل من التناقض مذهبًا، ومن تبديل الوجوه فضيلة، ومن تبديل المواقف استراتيجية. فالأمم لا تنهار حين تخسر معركة، وإنما تبدأ رحلة التيه عندما تعجز عن التنبؤ بخطوة قائدها التالية، لأن البوصلة لم تعد تشير إلى جهة، بل تدور مع الريح حيث دارت.

 

هكذا تبدو الحكاية؛ رجلٌ يفتح باب التفاوض بيدٍ، ويقرع طبول الحرب بالأخرى. يهمس في الغرف المغلقة بلغة السلام، ثم يعتلي المنابر بخطاب النار، حتى يغدو الصباح نقيض المساء، وتصبح الكلمة التي قيلت بالأمس عبئًا ينبغي التنصل منه اليوم.

 

المواقف لا تستقر على ضفة. يقف ضد الثورة، ثم يتحدث باسمها. يقترب من هذا المحور حتى يظنه الناس قد استقر فيه، ثم لا يلبث أن يعبر إلى الضفة المقابلة. مرةً مع السعودية في مواجهة الإمارات، ومرةً مع مصر في مواجهة إثيوبيا. يقترب من إسرائيل تحت عنوان مكافحة الإرهاب، ثم يفتح نافذة لإيران، ويمنح روسيا موطئًا في خطابه، بينما يرسل، في الوقت نفسه، إشارات الود إلى واشنطن عبر البوابة ذاتها التي سمّاها مكافحة الإرهاب.

 

حتى الحرب نفسها لا تسلم من هذا الاضطراب. يتحالف مع القوات المشتركة في مواجهة الدعم السريع، ثم يستعين بمن كانوا بالأمس جزءًا من ذلك الخصم ليواجه بهم حلفاء اليوم. كأن خطوط الجبهة تُرسم بقلمٍ من ماء؛ لا تعرف الثبات، ولا تعترف بالحدود، وإنما تتغير كلما تبدلت موازين اللحظة.

 

أما المبادرات، فتدخل في دائرة لا تنتهي. يُرفض اتفاق جدة لأن غيره أفضل، ثم يُرفض البديل لأنه لم يعد كافيًا، ثم يُستبدل ببديل آخر، حتى تتعاقب الأسماء: الإيغاد، فالولايات الأفريقية، فالرباعية، ثم يعود الحديث إلى أن الحل لا يكون إلا من الداخل. وبين رفضٍ وقبول، وقبولٍ يعقبه رفض، تتآكل السنوات، بينما ينتظر الناس نهايةً لا تأتي.

 

إن أخطر ما تصنعه السياسة المتقلبة أنها لا تربك الخصوم وحدهم، بل تُربك الحلفاء أيضًا، وتُدخل المجتمع في حالة انتظارٍ دائم، حتى يصبح اليقين نفسه رفاهية نادرة. وحين يفقد الناس القدرة على قراءة الغد، يبدأ الزمن السياسي في الدوران داخل الحلقة نفسها؛ تتغير الأسماء، وتبقى الأزمة.

 

وربما كان الوطن، في نهاية المطاف، هو الكائن الوحيد الذي يدفع ثمن هذا الرقص الطويل. فكل خطوةٍ خاطئة تُثقل ظهره، وكل انعطافةٍ مفاجئة تُضيف إلى ذاكرته جرحًا جديدًا. وما أكثر الجراح التي لا يراها أحد، لأنها ليست على الجسد، بل في روح البلاد، حيث تتراكم الخيبات بصمت، حتى يصبح الصمت نفسه لغةً لا تحتاج إلى ترجمان.

 

أحزنني كثيرًا أن أهمَّ ملف، وهو ملف التفاوض، كان بيد فارس النور؛ ذلك العدو المتخفي، الذي لم يكن مؤهلًا أخلاقيًا، ولا سياسيًا، ولا فكريًا، ولم يدفع كلفةً من الدم أو التضحية تخوّله أن يفاوض باسم الأشاوس.

 

التفاوض عباره عن فن وعلم لذلك استعان الدكتور جون قرنق خلال مفاوضاته مع الحكومات السودانية بعدد من السياسيين والقانونيين والاقتصاديين والقيادات الميدانية مثل ، الدكتور منصور خالد: كان مستشارًا سياسيًا وفكريًا بارزًا لقرنق منذ ثمانينيات القرن الماضي، وأسهم في صياغة رؤية «السودان الجديد» وفي اتصالات الحركة ومواقفها السياسية والتفاوضية وكذلك باقان اموم وسلفاكير ميارديت، عبد العزيز آدم الحلو ، كوستي مانيبي: عمل ضمن الخبراء الاقتصاديين والإداريين في ملفات إعادة الإعمار والتمويل والتنمية. و إيليا مالوك أليينق: من الكفاءات الاقتصادية والمالية المرتبطة بالحركة، وأسهم في قضايا المؤسسات المالية والمصرفية.

 

ختامًا، وفي تقديري، فإن مياهًا كثيرةً قد جرت تحت الجسر؛ فلا بنود اتفاقية المنامة، ولا بنود اتفاقية جدة، تمثل سقفًا لطموحات شعوب الهامش. فضلًا عن ذلك، فإن أعضاء الرباعية ولا الخماسية ليسوا مؤهلين، في تقديري، لرعاية أي اتفاق مع دويلة 56 في نسختها الإسلاموية الإرهابية

 

بالاضافه الي فريق التفاوض يحتاج الي خبراء حقيقيين وعلماء يحصون كل شارده ووارده.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *