⚖️ حين تتحول العدالة من ميزان للحق إلى ساحة للصراع بقلم الناشط الحقوقي / آدم الحاج أديب الاثنين 13 يوليو 2026م الموافق 27 محرم 1448هـ في المسرح المصري، كانت العدالة تظهر أحيانًا بوجوه متعددة؛ وجه يرفع شعار الحقيقة، ووجه يخفيها خلف المصالح، ووجه يتظاهر بأنه لا يرى ولا يسمع. وفي أعمال مثل “شاهد ما شافش حاجة” تحولت مفارقة غياب الرؤية إلى رمز لحالة يصبح فيها الواضح غامضًا، والحقيقة رهينة لمن يملك القدرة على تقديم الرواية الأقوى. لكن المأساة الحقيقية تبدأ عندما تخرج هذه مفارقات من خشبة المسرح إلى واقع الشعوب، وعندما تصبح العدالة نفسها جزءًا من الصراع بدل أن تكون الحكم بين أطرافه. فالقضاء ليس ميدانًا للحرب، والمحكمة ليست امتدادًا للخصومة السياسية، والعدالة ليست أداة لإعادة ترتيب موازين القوة. وحين تفقد العدالة استقلالها, لا يخسر المتهم وحده، بل تخسر الدولة أهم أعمدتها: الثقة. ومن هنا يبرز السؤال المركزي في المشهد السوداني: هل ما زالت العدالة تقف فوق الصراعات، أم أصبحت جزءًا من الصراع؟ 📌 المحاكمة الغيابية… بين القانون والسياسة أعادت المحاكمات الغيابية المرتبطة بقيادات الدعم السريع الجدل حول وظيفة القضاء في زمن الحرب. فالمحاكمة الغيابية ليست مجرد إجراء شكلي، وإنما استثناء قانوني تحكمه ضمانات دقيقة، لأن الأصل في العدالة أن يواجه المتهم التهمة، وأن تتاح له فرصة الدفاع والمواجهة. ولا تكمن القضية في هوية الأشخاص وحدها، وإنما في السؤال الأعمق: هل تمت الإجراءات وفق روح القانون وضمانات المحاكمة العادلة، أم أن ظروف الحرب والاستقطاب السياسي أصبحت تؤثر على مسار العدالة؟ فالقضاء الذي يريد حماية هيبته لا يكتفي بإصدار الأحكام، بل عليه أن يثبت أن الطريق إليها كان مستقلًا ومحايدًا. كما يبرز سؤال آخر حول إجراءات الملاحقة الدولية: إذا كان مكان وجود بعض المطلوبين محل نقاش عام، فكيف تتوافق إجراءات طلب التعاون الدولي مع الواقع القانوني والإجرائي داخل الدولة؟ إن العدالة لا تُبنى على الرغبة في الإدانة، وإنما على سلامة الإجراءات ودقة التهم والأدلة. 📌 محاكمة الغائب أم محاكمة الرواية؟ ربما كانت أكثر مفارقات المشهد العدلي السوداني إثارة للسؤال أن المحاكمة الغيابية لم تعد تواجه فقط مشكلة غياب المتهم عن قاعة المحكمة، وإنما أصبحت تواجه سؤالًا أكثر عمقًا: هل نحن أمام محاكمة شخص أم محاكمة رواية? فقد شهد الرأي العام خلال الحرب تصريحات من مسؤولين وشخصيات رسمية تحدثت عن مصير قائد قوات الدعم السريع، وتضمنت روايات عن وفاته، بينما استمرت روايات أخرى تتحدث عن وجوده ونشاطه. وهنا تجد العدالة نفسها أمام سؤال لا يمكن تجاوزه: إذا كانت السلطة قد قدمت للرأي العام روايات متباينة حول مصير الشخص محل الاتهام، فكيف تتحول القضية إلى مسار قضائي يتطلب أعلى درجات اليقين؟ إن المحكمة لا تحاكم صورة إعلامية، ولا رواية سياسية، ولا شخصية افتراضية. القانون يحاكم شخصًا محدد الهوية، معلوم الصفة القانونية، منسوبًا إليه فعل محدد، بأدلة قابلة للفحص والمناقشة. ومن هنا جاءت المفارقة الساخرة التي تساءل معها البعض: هل نحن أمام محاكمة شخص حقيقي، أم محاكمة صورة صنعتها الحرب والإعلام؟ وهل أصبحت العدالة تواجه خطر التعامل مع “رواية” بدل التعامل مع “متهم”؟ قد يبدو السؤال صادمًا، لكنه يكشف جوهر الأزمة: العدالة لا تبدأ من لحظة النطق بالحكم، وإنما تبدأ من تعريف الحقيقة. فإذا اضطربت الحقيقة حول وجود المتهم ومصيره، اضطربت معها كل المراحل التالية: الاتهام، والمحاكمة، والحكم. 📌 عندما يصبح الاشتباه بديلًا عن الدليل في أزمنة الحروب، يكون الخطر الأكبر أن يتحول الأمن من وسيلة لحماية الدولة إلى مدخل لتوسيع دائرة الاشتباه. فقد أثارت قضايا الاتهام بالتعاون أو التخابر مع الدعم السريع، وما ارتبط بها من توقيفات ومحاكمات، نقاشًا واسعًا حول حدود سلطة الدولة في مواجهة التهديدات الأمنية، وحول ضرورة الفصل بين حماية الأمن وبين حماية الحقوق. فالقانون لا يحاسب الإنسان على الشبهة المجردة، ولا على موقفه السياسي، وإنما على أفعال تثبتها الأدلة أمام قضاء مستقل. إن الدولة القوية ليست التي تعاقب أكبر عدد من الأشخاص، وإنما التي تستطيع أن تثبت التهم وفق إجراءات عادلة. 📌 سؤال العدالة الانتقائية: من يُحاسب من؟ من أكبر التحديات التي تواجه العدالة في السودان اليوم سؤال المعايير: هل يخضع الجميع للقانون بالدرجة نفسها؟ فإذا كانت تهم التعاون مع أحد أطراف الحرب تُفتح بشأنها البلاغات والتحقيقات، فإن المجتمع يطالب أيضًا بأن تشمل المساءلة أي انتهاكات منسوبة إلى أفراد من مختلف الأطراف دون استثناء. فالعدالة لا تعرف الحلفاء والخصوم، ولا تميز بين من يملك القوة ومن فقدها. إن تغيير الموقع السياسي أو العسكري لا ينبغي أن يكون سببًا لسقوط المساءلة، كما أن الخصومة السياسية لا ينبغي أن تكون سببًا لصناعة الاتهام. 📌 دارفور… الجرح القديم الذي كشف أزمة العدالة قبل الحرب الحالية، كان ملف دارفور الاختبار الأكبر لمنظومة العدالة في السودان. فقد أحالت المحكمة الجنائية الدولية ملف دارفور إلى التحقيق، وأصدرت أوامر قبض بحق عدد من المسؤولين السودانيين، من بينهم الرئيس السابق عمر حسن البشير، على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم دولية. وقد كشف ذلك الملف سؤالًا جوهريًا: هل كانت المؤسسات الوطنية قادرة على تحقيق العدالة في الجرائم الكبرى باستقلال كامل؟ وظل الجدل قائمًا حول قدرة القضاء السوداني على التعامل مع تلك الملفات، بينما بقي بعض المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية خارج نطاق المحاكمة أمامها. واليوم يعود السؤال بصورة أكثر قسوة: كيف يمكن بناء عدالة جديدة إذا لم تُحسم أسئلة العدالة القديمة؟ وهنا تظهر المفارقة التاريخية: هل يمكن أن يتحول من كانوا جزءًا من أزمات الأمس إلى من يتحدثون باسم العدالة في قضايا اليوم؟ إن السؤال ليس اتهامًا لأشخاص بعينهم، وإنما سؤال عن قدرة أي دولة على بناء عدالة مستقلة إذا لم تواجه ماضيها بشجاعة. 📌 من نيفاشا إلى لجنة أمبيكي… أزمة استقلال القضاء لم تبدأ أزمة استقلال القضاء السوداني مع الحرب الحالية. فقد ظل إصلاح المؤسسات العدلية حاضرًا في النقاشات الوطنية منذ اتفاقية السلام الشامل، باعتبار أن بناء دولة القانون يحتاج إلى قضاء مستقل قادر على حماية الحقوق. كما تناولت لجنة الاتحاد الأفريقي رفيعة المستوى بشأن السودان برئاسة الرئيس الجنوب أفريقي الأسبق ثابو أمبيكي قضايا العدالة والمساءلة، وأكدت أهمية إصلاح المؤسسات العدلية وتعزيز قدرتها على التعامل مع الجرائم الكبرى. وهذا يعني أن الأزمة لم تكن أزمة نصوص فقط، وإنما أزمة ثقة في قدرة المؤسسات على تطبيق النصوص باستقلال وتجرد. 📌 سوق الدلالة: سقوط الميزان وخراب العمران القضاء لا يفقد هيبته عندما يخطئ في قضية، فالخطأ يمكن مراجعته وتصحيحه. لكنه يفقد هيبته عندما يشعر الناس أن ميزان العدالة لا يتحرك بالقانون، وإنما بتغير موازين القوة. فالعدالة التي تُستخدم ضد الخصوم فقط تتحول إلى أداة سياسية، والعدالة التي تغض الطرف عن حلفائها تفقد معناها. والسؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا: هل نحن أمام قضاء يحكم وفق القانون، أم أمام قانون يُستخدم وفق الصراع؟ 📝 الخاتمة العدالة لا تموت عندما يبرأ مذنب أو يُدان بريء فحسب؛ بل تموت يوم يصبح انتماء المتهم هو الذي يحدد مسار الدعوى. فإذا أصبح موقع الإنسان السياسي أو العسكري هو الذي يحدد إن كان متهمًا أو محميًا، فإن الأزمة لم تعد في نصوص القانون، وإنما في معيار تطبيقه. وعندما يصبح القانون تابعًا للسياسة، تتحول المحكمة من محراب للعدالة إلى سوق للدلالة، ويصبح الحكم أقرب إلى بيان سياسي منه إلى عنوان للحقيقة. فالعدالة ليست سلاحًا في يد المنتصر، وليست غطاءً لمن يملك القوة، وإنما هي الحصن الأخير الذي يحمي المجتمع من الفوضى. إن الدولة لا تُبنى بكثرة المحاكمات، وإنما بثقة الناس في أن القانون فوق الجميع. فالعدالة التي تفقد استقلالها لا تخسر قضية واحدة، بل تخسر الوطن ثقته في ميزانها. شارك تصفّح المقالات تشْرِيحُ الْعَقْلِ الْإِيرَانِيِّ الْفَارِسِيِّ الإسلاميون في مستنقع الأمتار الأخيرة؟!