إيهاب مادبو….يكتب ليست المشكلة في أن تمتلك مصر مصالح في السودان، فالمصالح هي اللغة الطبيعية التي تحكم العلاقات بين الدول، ولا توجد دولة تتحرك خارج حسابات أمنها القومي أو احتياجاتها الاستراتيجية. لكن الفارق الجوهري يكمن في الكيفية التي تُدار بها تلك المصالح: هل تُبنى على الشراكة والاحترام المتبادل، أم على إبقاء الطرف الآخر ضعيفًا حتى يسهل توجيهه؟ على امتداد عقود، لم تتعامل القاهرة مع السودان بوصفه دولة ذات سيادة وشريكا متكافئا، بل غالبا ما نظرت إليه باعتباره عمقا استراتيجيا ومجالا حيويا يخدم احتياجاتها. فمن مياه النيل إلى الأراضي الزراعية، ومن الموقع الجغرافي إلى الموارد الطبيعية، ظل السودان حاضرا في العقل الاستراتيجي المصري باعتباره مساحة ينبغي ضمان استمرار النفوذ فيها، أكثر من كونه شريكا مستقلا في صناعة المستقبل. ومن هنا يمكن فهم حالة القلق التي تثيرها أي محاولة سودانية لبناء دولة قوية، تمتلك مؤسسات مستقلة وقرارا وطنيا حرا. فالدولة السودانية المستقرة والقادرة على إدارة مواردها بنفسها تعني بالضرورة نهاية معادلة تاريخية قامت على اختلال موازين القوة، وانتقال العلاقة من التبعية إلى الندية. ولذلك، فإن كثيرا من السياسات المصرية، سواء بصورة مباشرة أو عبر دعم ترتيبات سياسية وأمنية معينة، أسهمت في ترسيخ واقع هش داخل السودان، يضمن استمرار النفوذ ويمنع تشكل مركز قرار سوداني مستقل قادر على إعادة تعريف العلاقة بين البلدين وفق أسس جديدة. إن أخطر ما يواجه السودان ليس فقط الحروب والانقسامات الداخلية، بل أيضا استمرار النظر إليه باعتباره ساحة نفوذ لا دولة ذات سيادة. فالدول التي تبنى على إرادة شعوبها لا يمكن أن تزدهر إذا ظل مستقبلها مرهونا بحسابات الآخرين. ولا يحتاج السودان إلى وصاية من أي طرف، مهما كانت الروابط التاريخية أو الجغرافية، وإنما يحتاج إلى علاقة إقليمية تقوم على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والاعتراف الكامل بحقه في امتلاك قراره الوطني. إن استقرار السودان لا يمثل تهديدا لمصر ولا لأي دولة مجاورة، بل هو مصلحة مشتركة للجميع، أما الرهان على سودان ضعيف ومنقسم، فقد أثبت التاريخ أنه لا يصنع أمنا دائما، بل يؤسس لدورات متكررة من الأزمات تمتد آثارها إلى الإقليم بأسره. إن المستقبل الذي يستحقه وادي النيل ليس بالهيمنة، بل مستقبل الشراكة، وليس علاقة السيد والتابع، بل علاقة دولتين مستقلتين تتعاونان على أساس السيادة والمصالح المتبادلة. وكل مشروع يقوم على إضعاف السودان لن يحقق استقرارا حقيقيا، لأن الدول لا تبنى على هشاشة جيرانها، وإنما على قوة العلاقات العادلة بينها. شارك تصفّح المقالات ويسألونك عن حرب الإخوان!! معآ لنهزم القبلية لتنتصر المواطنة والقومية السودانية