عبدالعزيز بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان ….يكتب

ليست الحروب وحدها هي التي تهدم الاوطان بل قد تهدمها ايضا الكلمات التي تزرع الكراهية والخوف والتخوين والانقسام وقد اثبتت الحرب الدائرة في السودان ان اخطر ما يواجه الدولة ليس السلاح وحده وانما انهيار فكرة المواطنة عندما يصبح الانتماء للقبيلة او الجهة او الحزب او الجماعة مقدما على الانتماء للوطن وعندما يصبح المواطن متهما بسبب اسمه او منطقته او لغته او قبيلته فان الوطن يفقد اهم اساس يقوم عليه وهو المساواة بين جميع ابنائه

 

لقد دفعت الحرب السودانية ثمنا باهظا من ارواح الابرياء وتشريد الملايين وتدمير المدن والقرى وتعطيل التعليم والصحة والاقتصاد وانهيار مؤسسات الدولة وظهور خطابات الكراهية والتحريض والانتقام حتى اصبح كثير من الناس ينظرون الى بعضهم بعين الريبة بدلا من الثقة وبعين الانتماء الضيق بدلا من الانتماء الوطني وهذا الواقع يفرض على كل سوداني وسودانية مسؤولية تاريخية لاعادة بناء مفهوم المواطنة باعتباره الطريق الوحيد نحو السلام والاستقرار والعدالة

 

المواطنة ليست شعارا سياسيا ولا خطابا موسميا ولا وسيلة للدعاية بل هي علاقة قانونية واخلاقية وانسانية بين الانسان ووطنه تقوم على المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات دون تمييز بسبب القبيلة او العرق او الدين او اللغة او الثقافة او الانتماء السياسي او الموقع الجغرافي وهي الاساس الذي تقوم عليه الدولة الحديثة وسيادة القانون واحترام الكرامة الانسانية

 

الانتماء الحقيقي للوطن لا يقاس بالشعارات ولا بالخطب ولا بالادعاءات وانما يقاس بمدى احترام الانسان لوطنه والمحافظة على ممتلكاته العامة والدفاع عن وحدته واحترام حقوق مواطنيه والعمل من اجل مستقبله فالذي يحرض على الكراهية لا يخدم الوطن والذي يزرع الفتنة بين مكونات الشعب لا يحمي الدولة والذي يبرر الاعتداء على المدنيين لا يمكن ان يكون مدافعا عن الوطن مهما كانت الشعارات التي يرفعها

 

ان المواطنة الحقيقية تجعل جميع السودانيين متساوين امام القانون فلا مواطن افضل من مواطن بسبب قبيلته ولا منطقة اكرم من منطقة ولا اسرة اولى من اسرة فالوطن يتسع للجميع والدولة العادلة لا تعرف الامتيازات القائمة على الانتماءات الضيقة وانما تعرف الكفاءة والاستحقاق والعدالة والشفافية

 

وتبدأ المواطنة من احترام حياة الانسان وكرامته فلا يجوز ترويع المدنيين ولا استهداف الابرياء ولا تهجير السكان ولا نهب الممتلكات ولا الاعتداء على النساء والاطفال ولا استخدام خطاب الكراهية لتبرير الجرائم فامن المواطن هو اساس امن الدولة وكلما شعر المواطن بالامان داخل منزله ومدرسته ومزرعته وسوقه ومكان عمله ازدادت قوة الدولة واستقرارها وازدهرت التنمية وتعززت الثقة بين المجتمع ومؤسساته

 

اما عندما يسود الخوف وينتشر الانتقام ويصبح السلاح بديلا للقانون فان الجميع يخسرون وتدخل البلاد في دوامة من العنف يصعب الخروج منها ولذلك فان حماية المدنيين واحترام القانون واحقاق العدالة ليست مسؤولية الدولة وحدها بل هي مسؤولية اخلاقية ووطنية تقع على عاتق كل فرد في المجتمع

 

ومن اعظم دعائم المواطنة الصدق فالامم لا تبنى بالكذب ولا تستقر بالخداع ولا تتقدم بالتضليل فالصدق هو اساس الثقة بين الشعب والدولة وهو اساس نجاح المؤسسات العامة والخاصة وهو الضمان الحقيقي لمحاربة الفساد وترسيخ العدالة وتعزيز الوحدة الوطنية

 

ويبدأ الصدق من صدق الكلمة وصدق المسؤول وصدق الاعلام وصدق الخطاب السياسي وصدق الموظف في اداء عمله وصدق التاجر في معاملاته وصدق المعلم في رسالته وصدق القاضي في احكامه وصدق الصحفي في نقل الحقيقة وصدق المواطن في تعامله مع وطنه فالفساد يبدأ عندما يغيب الصدق وتسقط الامانة وتضيع المسؤولية

 

وفي ظل الحرب اصبح الصدق اكثر اهمية من اي وقت مضى فالشائعات والاخبار الكاذبة والتحريض الرقمي وخطابات التخوين اصبحت اسلحة موازية للبنادق وقد تؤدي منشورات كاذبة او مقطع مفبرك الى قتل ابرياء واشعال نزاعات جديدة ولذلك فان المسؤولية الوطنية تقتضي التثبت من المعلومات وعدم نشر الاخبار قبل التحقق منها وعدم المشاركة في حملات الكراهية او التشهير او التحريض

 

وهنا تظهر اهمية المواطنة الرقمية باعتبارها جزءا لا يتجزأ من المواطنة الحديثة فكل مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي يحمل مسؤولية قانونية واخلاقية ووطنية تجاه ما ينشره او يعيد نشره فالمواطن الرقمي الصالح لا ينشر الكذب ولا يروج لخطابات العنصرية ولا يشارك في حملات التخوين ولا ينتهك خصوصية الاخرين ولا يحرض على العنف بل يستخدم التكنولوجيا لنشر المعرفة والسلام والحوار والوعي والتسامح والدفاع عن حقوق الانسان

 

والمواطنة الرقمية تعني ايضا احترام القانون في الفضاء الالكتروني وحماية البيانات الشخصية واحترام الملكية الفكرية وعدم الاساءة للاخرين وعدم استغلال المنصات الرقمية لبث الفتن او استهداف فئة من المجتمع بسبب انتمائها القبلي او الديني او الجهوي

 

كما ان المواطنة الاقتصادية تمثل ركنا مهما من اركان بناء الدولة فالمواطن الصالح يحافظ على المال العام ويرفض الفساد والرشوة والاحتكار والتهريب ويدعم الانتاج الوطني ويحترم النظام الضريبي العادل ويسهم في التنمية لان الاقتصاد القوي لا يقوم الا على النزاهة والعمل والانتاج

 

وتبرز كذلك المواطنة الاجتماعية التي تقوم على احترام كبار السن ورعاية الاطفال وحماية النساء ومساعدة الضعفاء واحترام ذوي الاعاقة والتكافل بين افراد المجتمع فالمجتمع الذي يتضامن في اوقات المحن هو المجتمع القادر على تجاوز الازمات وبناء المستقبل

 

اما المواطنة البيئية فتفرض على الجميع حماية الارض والمياه والغابات والمراعي وعدم تلويث البيئة والمحافظة على الموارد الطبيعية لان حماية البيئة ليست ترفا بل هي حماية لحياة الاجيال القادمة

 

ولا تكتمل المواطنة الا باحترام الذوق العام فالاخلاق ليست قضية شخصية فحسب بل هي مسؤولية اجتماعية تؤثر في استقرار المجتمع واحترام النظام العام فاحترام الاخرين والمحافظة على النظافة والالتزام بالنظام والادب في الحوار والابتعاد عن الالفاظ المسيئة كلها مظاهر تعكس رقي المواطن ورقي وطنه

 

وفي السودان اصبحت الحاجة الى المواطنة اعظم من اي وقت مضى فلا يمكن بناء السلام اذا بقيت القبيلة فوق الوطن ولا يمكن تحقيق العدالة اذا اصبح الانتماء الجهوي معيارا للحقوق ولا يمكن ان تنجح اي تسوية سياسية اذا لم يشعر كل مواطن بان الدولة تحميه على قدم المساواة مع غيره

 

ان مستقبل السودان لن يصنعه المنتصر في المعركة العسكرية وحده بل سيصنعه المواطن الذي يؤمن بان اختلاف القبائل والثقافات والاعراق والاديان مصدر قوة لا سبب للصراع وان القانون يجب ان يكون فوق الجميع وان العدالة لا تعرف الانتماءات وان الوطن لا ينهض الا بجميع ابنائه وبناته

 

ان المواطنة ليست خيارا سياسيا مؤقتا بل هي مشروع وطني دائم وهي الضمان الحقيقي لوحدة السودان واستقراره وهي الطريق نحو السلام العادل والتنمية المستدامة والدولة الديمقراطية وسيادة القانون واحترام حقوق الانسان

 

فلنرفض جميعا خطاب الكراهية والعنصرية والجهوية والتخوين ولنستبدله بخطاب الاحترام والتسامح والشراكة الوطنية ولنجعل القانون مرجعنا والعدالة ميزاننا والانسان غايتنا والوطن بيتنا المشترك

 

فحين تنتصر المواطنة تسقط الكراهية وحين تنتصر العدالة ينهزم الظلم وحين ينتصر الوطن لا يكون هناك غالب ومغلوب بل يكون الجميع شركاء في بناء سودان يسع الجميع ويحفظ كرامة الجميع ويصون حقوق الجميع ويورث للاجيال القادمة وطنا امنا موحدا مستقرا وعادلا

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

17/يوليو /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *