عبدالعزيز بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان …يكتب لم يبدأ السودان حكاية من الحروب بل بدأ حكاية من المحبة كان الناس يعبرون آلاف الكيلومترات ليجدوا في كل قرية بيتا مفتوحا ووجها بشوشا ويدا تمتد بالسلام قبل السؤال وكان الغريب يصبح واحدا من أهل الدار قبل أن يعرف أحد اسمه أو قبيلته وكانت الأفراح تجمع الجميع وكانت المآتم توحد الجميع وكانت الأسواق والمساجد والكنائس والمدارس والمزارع تصنع وطنا لا تسأل فيه من أين جئت بل ماذا تحتاج كان السودانيون يعرفون بعضهم بالكرم وبالنخوة وبالشهامة وبالإنسانية قبل أن يعرفوا بعضهم بالقبائل والجهات والألوان ثم جاءت الحرب وجاء معها خطاب لم يكن يشبه السودان خطاب جعل اسم القبيلة أهم من اسم الوطن وجعل الانتماء الجغرافي أخطر من الانتماء الإنساني وحول الإنسان من مواطن إلى تصنيف ومن جار إلى خصم ومن شريك في الوطن إلى عدو يجب الخوف منه وهكذا لم تعد الحرب تكتفي بإسقاط القذائف على المدن بل بدأت تسقط الكلمات المسمومة على العقول والقلوب حتى أصبح خطاب الكراهية سلاحا موازيا للبندقية وربما أشد خطرا منها فالرصاصة تقتل إنسانا واحدا أما الكلمة التي تبث الكراهية فإنها تقتل الثقة بين الملايين وتغتال الضمير الجمعي وتدفن فكرة الوطن تحت ركام الخوف والشك والانتقام لقد عانى السودان عبر تاريخه من النزاعات ولكن الحرب التي اندلعت في الخامس عشر من أبريل لم تقتصر آثارها على الدمار العسكري بل فتحت جراحا اجتماعية عميقة وأطلقت موجات غير مسبوقة من خطاب الكراهية والتمييز العنصري والقبلي حتى أصبحت الهوية في كثير من الأحيان سببا للاستهداف والاشتباه والإقصاء بدلا من أن تكون جزءا من ثراء السودان وتنوعه ومع اتساع رقعة الحرب وامتدادها إلى مدن وقرى متعددة وجد ملايين السودانيين أنفسهم نازحين داخل وطنهم أو لاجئين خارجه يحملون معهم ذكريات البيوت التي تهدمت والأحلام التي انهارت والأقارب الذين فرقتهم الحرب وأصبح الألم هو اللغة المشتركة التي وحدت السودانيين جميعا مهما اختلفت قبائلهم أو مناطقهم لكن وسط هذا الخراب برز خطر آخر لا يقل فداحة عن صوت المدافع وهو محاولة تفكيك المجتمع السوداني من داخله عبر تحويل التنوع إلى لعنة وتحويل القبائل إلى أدوات للصراع وتحويل الاختلاف السياسي إلى عداء اجتماعي دائم ولم يكن ذلك يحدث بالسلاح وحده بل بالكلمات أيضا بمنشور يحرض على قبيلة وبمقطع صوتي يزرع الكراهية وبشائعة تزرع الخوف وبخطاب يختزل ملايين البشر في أوصاف مهينة لا تعترف بإنسانيتهم وهنا تكمن المأساة الحقيقية فحين يتحول خطاب الكراهية إلى ثقافة يومية يصبح السلام أكثر صعوبة وتصبح المصالحة أكثر تعقيدا ويصبح كل طفل يولد اليوم مهددا بأن يرث أحقادا لم يصنعها بيده إن المسؤولية الجنائية في كل الشرائع مسؤولية فردية ولا يجوز أن تتحول جريمة شخص إلى إدانة لقبيلة كاملة أو جهة بأكملها لأن هذا المنطق هو الذي قاد كثيرا من المجتمعات إلى حروب أهلية طويلة ما زالت تدفع ثمنها حتى اليوم ولذلك فإن أول خطوة نحو إنقاذ السودان تبدأ بإعادة الاعتبار للإنسان قبل أي انتماء آخر فالإنسان لا يقاس بلونه ولا بقبيلته ولا بجهته ولا بلهجته وإنما يقاس بأخلاقه واحترامه لحقوق الآخرين والتزامه بالقانون إن بناء السلام الحقيقي لا يبدأ عند توقيع الاتفاقات السياسية بل يبدأ عندما يتوقف الناس عن استخدام الكلمات التي تحرض على الكراهية وعندما يدرك الجميع أن الوطن لا يمكن أن يتسع لبعض أبنائه ويضيق بآخرين لقد أثبت السودانيون في أصعب أيام الحرب أن الخير ما زال حيا رأينا أسرا تستقبل نازحين لا تعرف أسماءهم ولا قبائلهم ورأينا أطباء يسهرون على علاج الجرحى دون أن يسألوا عن انتمائهم ورأينا شبابا يتقاسمون آخر ما يملكون مع أسر فقدت كل شيء هذه المواقف ليست استثناء بل هي الصورة الحقيقية للسودان التي حاولت الحرب أن تخفيها ولم تستطع إن المستقبل الذي يستحقه السودانيون لا يمكن أن يقوم على الانتقام ولا على العنصرية ولا على الإقصاء وإنما يقوم على العدالة والمواطنة المتساوية وسيادة القانون واحترام الكرامة الإنسانية ولهذا فإن مكافحة خطاب الكراهية ليست قضية أخلاقية فحسب بل هي ضرورة وطنية وأمنية وإنسانية لأن الأوطان لا تنهار فقط عندما تدمرها المدافع بل تنهار أيضا عندما يفقد أبناؤها القدرة على رؤية بعضهم باعتبارهم شركاء في المصير لقد علمتنا هذه الحرب أن الرصاص قد يهدم مدينة لكن الكراهية تهدم أمة بأكملها وإذا كان السودانيون يريدون حقا أن يكتبوا نهاية مختلفة لهذه المأساة فعليهم أن يدفنوا خطاب الكراهية قبل أن يدفن خطاب الكراهية السودان نفسه فالوطن الذي جمع أبناءه بالمحبة لعقود طويلة يستحق أن يولد من جديد وطنا للعدالة والرحمة والإنسانية لا وطنا تمزقه أسماء القبائل ولا شعارات الكراهية إن السودان لن ينهض إلا عندما يعود كل سوداني قادرا على أن يرى في أخيه السوداني إنسانا قبل أن يرى فيه أي هوية أخرى وعندها فقط سيكون السلام أكثر من مجرد وقف لإطلاق النار وسيصبح بداية حقيقية لاستعادة وطن كاد أن تضيع ملامحه بين ألسنة الكراهية ودخان الحرب نواصل بمشيئة الله بتاريخ 16/يوليو /2026 شارك تصفّح المقالات تأملات خارج الطقس: ثُمَّ نقطةٌ تحتَ الباءِ تبرق؟!