عبدالعزيز بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان….يكتب

 

ليست كل الحروب تبدأ بإطلاق الرصاصة الأولى فبعضها يبدأ بكلمة وبعضها بخطبة وبعضها بفتوى تمنح القاتل شعورا زائفا بأنه يؤدي واجبا مقدسا بينما هو يغرق وطنه في بحر من الدماء

 

ومنذ اندلاع الحرب في السودان في الخامس عشر من أبريل 2023 لم يقتصر الصراع على ميادين القتال بل امتد إلى العقول والضمائر والمنابر ففي الوقت الذي كان فيه ملايين السودانيين يبحثون عن مأوى يحمي أطفالهم من القصف وعن رغيف خبز يسد الجوع وعن دواء ينقذ المرضى تحولت بعض المنابر من فضاء للهداية إلى مساحة لتبرير الحرب ومن رسالة للسلام إلى خطاب يكرس الانقسام ويمنح العنف غطاء دينيا

 

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أمة ليس كثرة السلاح بل أن يجد السلاح من يباركه باسم الله فالرصاصة تقتل جسدا واحدا أما الفتوى المنحرفة فقد تقتل ضمير أمة بأكملها لأنها تخلط بين المقدس والبشري وبين الدين والسياسة وبين الحق ومصالح المتصارعين

 

لقد أنزل الله الأديان لصيانة الإنسان لا لإهدار دمه وجعل حفظ النفس من أعظم مقاصد الشريعة يقول الله تعالى

(من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)

ويقول سبحانه ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وهذه النصوص ليست شعارات ترفع في أوقات السلم وتغيب في زمن الحرب بل هي قواعد ثابتة لا تتغير بتغير الحكام ولا بتبدل موازين القوة

 

إن السودان لا يعاني من حرب البنادق فحسب بل من حرب الروايات أيضا روايات تصنع عدوا دائما وتصور السلام هزيمة وتجعل كل دعوة إلى وقف نزيف الدم موضع شبهة وفي خضم هذا الضجيج ضاعت أصوات الأمهات الثكالى وأنين الجرحى ودموع الأطفال الذين لم يعرفوا من وطنهم سوى أصوات المدافع ومخيمات النزوح

 

وليس المقصود بهذا الحديث الطعن في العلماء أو الدعاة الذين وقفوا مع الحق ودافعوا عن حرمة الدم فهؤلاء يمثلون الضمير الحي للأمة وإنما المقصود أولئك الذين جعلوا من الدين أداة في يد السياسة ومن الفتوى وسيلة لإدامة الصراع ومن المنبر منصة لتبرير ما لا يبرره شرع ولا عقل ولا ضمير

 

إن الفتوى ليست بيانا عسكريا ولا منشورا حزبيا ولا تصريحا سياسيا بل هي شهادة أمام الله ومن يتصدر لها يتحمل مسؤولية عظيمة وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من التسرع في الفتيا لما يترتب عليها من آثار جسيمة إذ قد تغير مصير شعوب بأكملها

 

لقد دفع الشعب السوداني ثمنا يفوق الوصف مدن تحولت إلى أنقاض ومستشفيات خرجت عن الخدمة ومدارس أغلقت أبوابها وملايين النازحين واللاجئين يحملون أوطانهم في حقائب صغيرة وقلوب مثقلة بالحسرة وفي قلب هذه الكارثة يظل التساؤل قائما كيف يمكن أن تتحول كلمات يفترض أن تبعث الرحمة إلى وقود يطيل أمد المأساة

 

إن العدالة ليست انتقائية والرحمة ليست حكرا على طرف دون آخر وكرامة الإنسان لا تسقط باختلاف انتمائه أو موقعه في ساحة الصراع وهذا ما أكدته الشريعة الإسلامية كما أكدته قواعد القانون الدولي الإنساني التي تحرم استهداف المدنيين وتقر بأن حماية الإنسان واجب لا خيار

 

سيأتي يوم تصمت فيه المدافع وتعود المدن إلى الحياة لكن الكلمات التي قيلت في زمن الحرب ستظل راسخة في ذاكرة الوطن وسيذكر التاريخ من دعا إلى المصالحة كما سيذكر من أجج الكراهية ومن وقف مع الإنسان كما سيذكر من جعل الدين أداة في سوق السياسة والحرب

 

إن الشعب السوداني لا يحتاج إلى خطابات تعمق الانقسام بل إلى خطاب يعيد الاعتبار لقيمة الإنسان ويصون رسالة المسجد ويعيد للعلماء هيبتهم وللفتوى مكانتها وللدين نقاءه فالأوطان تبنى بالعدل والدماء لا تطهرها الشعارات والسلام لا يولد من التحريض بل من الشجاعة الأخلاقية التي تؤكد أن حياة الإنسان أقدس من كل مكسب سياسي وأن الدين الذي أنزله الله رحمة للعالمين لا يمكن أن يكون جسرا للخراب

 

وإذا كان المتحاربون يملكون السلاح فإن أصحاب الضمائر يملكون الكلمة والكلمة الصادقة قد لا توقف رصاصة في لحظتها لكنها قادرة على منع آلاف الرصاصات في المستقبل ولذلك فإن أعظم مسؤولية تقع اليوم على كل صاحب منبر أو قلم أو فتوى أن ينحاز إلى الحق والعدل والرحمة وأن يتذكر أن الله لا يسأل الإنسان عن حجم انتصاراته بل عن مدى حفظه لحق الإنسان وكرامته ودمه

 

فما من حرب تدوم ولا من سلطة تبقى ولا من فتوى كتبت لإرضاء سلطان إلا وتقف يوما بين يدي سلطان السماوات والأرض حيث لا تنفع المناصب ولا تشفع الشعارات ولا يبقى إلا الحق ويومئذ يدرك الذين استغلوا الدين لإشعال الحروب أن أعظم الخسائر ليست خسارة المعارك بل خسارة الضمير

 

 

 

نواصل

بمشيئة الله

 

بتاريخ

 

29 يوليو 2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *