م. عبدالملك زكريا علي..يكتب

 

تمثل البنية التحتية للنقل في السودان بمحاورها البحرية والبرية والنهرية السكك الحديد والنقل الجوي العمود الفقري الذي استندت اليه الدولة الحديثة في تواصلها مع الاسواق العالمية وتحقيق اندماجها الاقتصادي الاقليمي والدولي .. الا ان العقود الاخيرة شهدت تراجعا حادا في هذه القطاعات الحيوية هذه (هيئات الخطوط البحرية والموانئ البحرية والنقل النهري) وتحولت معه من ادوات للسيادة والنمو الي اصول منسية مهملة تعاني من التآكل الهيكلي والفساد الاداري والتصفية المتعمدة والمتأمل الحصيف المدرك لواقع شركة الخطوط البحرية السودانية وهيئتي الموانئ البحرية والنقل النهري يكشف عن فجوة عميقة بين الامكانات الجيواقتصادية الهائلة للسودان وبين الواقع التشغيلي المتردي والذي تفاقم بسبب النزاعات المسلحة والتوجهات السياسية الانانية والتي اطلقت رصاصة الرحمة علي مؤسسات كانت فقط تحتاج لإرادة وطنية موجوعة لها رؤية اقتصادية ثاقبة مشرئبة للتطوير والمواكبة التكنولوجية والشراكات الاقتصادية الواعدة والتشريعات الهادفة . #- بدأت ملامح الدولة السودانية الحديثة التبلور اقتصاديا من خلال رؤية طموحة لإمتلاك زمام المبادرة في التجارة الخارجية فكانت شركة الخطوط البحرية (سودان لاين) تجسيدا لهذه الرؤية .. حيث تاسست في عام ١٩٥٨م وبدأت نشاطها الفعلي في العام ١٩٦٢م كإستجابة طبيعية لمتطلبات التجارة الوطنية والاقليمية والدولية واعتمدت الشركة منذ النشأة علي مبدأ التمويل الذاتي مما منحها مرونة اقتصادية مكنتها من التوسع .. حيث في العام ١٩٥٩م وقعت حكومة السودان اتفاقية تعاون اقتصادي مشترك مع جمهورية يوغسلافيا وكانت سودان لاين ابرز ثمرات هذا التعاون وهذه الشراكة لم تكن مجرد صفقة تجارية بل كانت تحالفا اقتصاديا استراتيجيا لبناء وتدريب كوادر وتجربة سودانية قادرة علي إدارة اسطول تجاري بحري في منطقة المحيط الهندي والبحر الاحمر .. وكانت البداية واستمر انضمام البواخر للاسطول حتي بلغ خمسة عشر (١٥) قطعة بحرية في اوج عطائها .. وكانت الخطوط البحرية السودانية من العلامات الفارقة في تاريخ وذاكرة السودان وكانت سفيرا عائما للسودان في الموانئ العالمية .. وفي العام ١٩٦٧م تم توقيع اتفاقية إنهاء الشراكة مع يوغسلافيا لتصبح سودان لاين شركة سودانية خالصة حيث ساهمت هذه الاستقلالية في تحقيق عدة اهداف نذكر منها: * تسويق الصادرات السودانية باسعار تنافسية من خلال التحكم في النوالين . * دعم ميزان المدفوعات من خلال توفير العملات الصعبة التي كانت تدفع للناقل الاجنبي . * خلق كوادر مؤهلة في الهندسة البحرية والملاحة والقانون التجاري والبحري . #- الهيكل التشغيلي والخدمات الملاحية المتكاملة: تجاوزت انشطة شركة الخطوط البحرية مجرد نقل البضائع والركاب لتشمل إدارة وتشغيل السفن والشحن والتفريغ والتخليص الجمركي والتوكيلات الملاحية وخدمات السفر والسياحة والخدمات اللوجستية الحديثة .. حيث كانت تهدف منظومتها الي تسهيل حركة الصادر والوارد عبر الموانئ السودانية باقل تكلفة ممكنة مما ساعد في استقرار اسعار السلع الاستراتيجية في الداخل . #- ونتيجة لتذبذب السياسات الاقتصادية الكسيحة والركود العالمي والفجوة التكنولوجية التي اصابت الشركة بعد الازدهار المشهود جاءت مرحلة التصفية والقرار الرئاسي بالتصفية والاغلاق وكان ذلك في العام ٢٠١٥- ٢٠١٦م .. حيث عجزت الارادة الوطنية من التفكير خارج الصندق والعبور بالشركة وهي خبيرة الابحار وملكة الموانئ في الشحن والتفريغ الي حيث التحديث والمواكبة للتغيرات الهيكلية في صناعة النقل البحري والتي قادت الي اندماج الشركات الكبري وظهور اجيال حديثة من البواخر المتخصصة والموانئ المحورية .. عجزت سودان لاين عن مواكبة هذا التطور التكنولوجي وظلت تعمل بانماط تقليدية مما جعلها تبتعد عن المنافسة ولتواجه عقبة اخري عقبة الحصار الاقتصادي وتوقف مشروعات التنمية وتناقص حركة الواردات المنقولة علي بواخر الشركة نتيجة للسياسات الخرقاء للدولة السودانية . #- الفشل الاداري وغياب الرقابة الحكومية: داخليا عانت شركة سودان لاين من قرارات ادارية كارثية .. حيث صدر قرار بإستثناء الشركة من احكام قانون الخدمة العامة وقانون محاسبة العاملين مما منح الادارة استقلالية مالية وادارية كاملة عن الدولة حيث وصف القرار بانه غفران مسبق لاي تجاوزات وفعلا ادي هذا القرار الي غياب المحاسبة وتفشي المحسوبية في التعينات .. اضافة الي تخلي وزارة المالية والتي تمتلك ٩٠% من اسهم الشركة تخلت عن دورها في دعم الشركة او تقديم ضمانات لقروض ميسرة للصيانة او صرف قروض مصدق بها من رئاسة الجمهورية لصيانة البواخر .. اضافة الي تآكل الكوادر المدربة الخبيرة بفعل سياسة التمكين والتسريح التعسفي مما ادي لفقدان الشركة لاكثر من ١٣٠٠ كادر مؤهل في مختلف التخصصات البحرية والادارية .. وكذلك فشل الشراكة الادارية مع الجانب الماليزي (سودان لاين ميسك) عانت هذه الشراكة من ضبابية الرؤية حيث انفرد الجانب الماليزي بالادارة وحقق ارباحا دون اضافة حقيقية للجانب السوداني مما عجل بنهاية الاسطول . #- ميلاد شركة سنجنيت: وبعد قرار التصفية صدر قرار في العام ٢٠١٧م بتسجيل شركة سنجنيت حيث اعتبر هذا القرار رصاصة الرحمة علي مؤسسة عريقة وتم بيع ما تبقي من اسطول البواخر كخردة للوفاء بالتزامات مديونية متراكمة . وكان القرار يفتقر للرؤية الاسترايجية كذلك اذ لم تعالج الشركة الجديدة مسببات الفشل .. هل منكم من سمع بها كبديل قوي وطني لشركة الخطوط البحرية السودانية ست الاسم ؟؟؟ . #- هيئة المواني البحرية: الواقع التقني والتحديات التشغيلية .. تعتبر الهيئة المشغل السيادي للموانئ السودانية علي ساحل البحر الاحمر وهو المنطقة التي تكتسب اهمية كبري نظرا لامتداد الساحل لاكثر من سبعمائة كليومتر (٧٠٠كلم) وتعد الموانئ السودانية المنفذ الرئيسي ليس فقط للسودان بل ولدول الجوار المغلقة مثل تشاد وجنوب السودان واثيوبيا مما يضعها في قلب التنافس الجيوسياسي والجيواقتصادي الاقليمي .. وللموانئ السودانية هياكلها وتخصصاتها الاستراتيجية ووتوزع الانشطة البنائية علي عدة مرافق تهدف لتغطية كافة احتياجات التجارة الخارجية وحركة البواخر العابرة .. ١- ميناء بورتسودان (الميناء الجنوبي) وهو الميناء الاكبر والمتخصص في استقبال الحاويات ويعتبر القلب النابض للحركة التجارية . ٢- الميناء الاخضر .. يختص باستقبال البواخر المحملة بالبضائع العامة والصب الجاف مثل القمح والمواد الانشائية . ٣- ميناء سواكن .. يخدم حركة الركاب والبضائع الخفيفة وتتوجه معظم رحلاته الي مدينة جدة . ٤- ميناء حيدوب .. تم تخصيصه لصادر الثروة الحيوانية وزود بمحاجر ومنشآت لضمان جودة الصادر . ٥- ميناء الخير .. تم تخصيصه لمناولة المواد البترولية ومشتقاتها . #- كفاءة العمليات والمنافسة الاقليمية والدولية .. تواجه هيئة الموانئ تحديات فنية كبيرة تؤثر علي قدرتها التنافسية مقارنة بموانئ مثل جدة وجيبوتي حيث تعاني الموانئ من فجوة كبيرة في استخدام الانظمة التقنية المتقدمة مثل تبادل البيانات الكترونيا وتحديث نظام التعرفة وتشير التقارير الدولية ذات الصلة الي تباين ملحوظ في كفاءة الموانئ في المنطقة حيث شهد ميناء جيبوتي سقوطا حادا في تصنيف البنك الدولي ففي العام ٢٠٢٢م كان في المركز ال٢٦ وتراجع الي المركز ال ٣٧٩ في العام ٢٠٢٣م وهذا السقوط في التصنيف يوضح مدي حساسية المعايير الدولية التي تعتمد علي زمن السفن الراسية وعلي ذلك قس .. وهذا ما يعاني منه ميناء بورتسودان بشكل مزمن نتيجة ضعف صيانة الاليات والقرارات الادارية والنقابية المرتبكة والمتعثرة وتقادم عمر الاليات مما ادي لتعطل العمل في فترات حرجة بالاضافة الي التدخلات السياسية في تعين وإقالة مديري الهيئة فضلا عن النظرة التقليدية للعمالة في التعاملات المالية المتطورة والاضرابات والاضطرابات والتي تؤدي الي عزوف شركات الشحن العالمية عن الموانئ السودانية مما يرفع تكلفة التامين والشحن . #- هيئة النقل النهري: الشريان المهمل وفرص الربط القاري .. يمتلك السودان اطول شبكة ملاحية نهرية في افريقيا وهي وسيلة نقل تتميز بإنخفاض تكلفتها وقدرتها علي نقل كميات ضخمة من البضائع .. ومع ذلك يظل هذا القطاع الحيوي الاكثر اهمالا وتعرضا للتخريب الممنهج عبر سنوات طويلة من سوء الادارة والخصخصة غير المدروسة .. ففي العام ٢٠٠٧م تمت خصخصة هيئة النقل النهري وتم بيع ٧٠% من اسهمها لشركتي عارف الاستثمارية والخليج حيث كشفت المحاكمات لاحقا عن تجاوزات مروعة في هذه الصفقة حيث تم بيع اصول ومواعين الهيئة والتي كانت قد خضعت لصيانة حديثة بمحركات المانية وبيعت كخردة في مينائي كريمة وبحري والشركات التي استحوزت علي الهيئة كانت امكانياتها الفنية والمالية اقل بكثير من امكانيات هيئة النقل النهري مما ادي لشلل كامل في العمليات الملاحية وتشريد الكوادر الفنية التي تدربت وتدرجت في الهيئة منذ امد بعيد . – المعوقات الفنية والطبيعية للملاحة النهرية .. يواجه النقل النهري تحديات هيكلية تجعل استمراره صعبا رغم حيويته واهميته الاقتصادية واذ لابد من التدخل بتفكير فوق المعتاد وبفهم اقتصادي حيوي يوقظ الرغبة الكامنة وازاحة ستائر النسيان عن هذا القطاع الاقتصادي الحيوي والهام . وامثلة هذه التحديات نذكر منها: ١- اهمال الممرات المائية الملاحية حيث غياب الصيانة الدورية لشبكة الطرق الملاحية والموانئ النهرية . ٢- تسرب العمالة الماهرة وتوقف التدريب المستمر . ٣- تضارب السياسات المائية وانعدام التنسيق بين وزارة النقل والري حيث التحكم في مناسيب المياه بناءا علي احتياجات الزراعة والكهرباء دون توفر غاطس ملاحي مناسب علي مدار العام . ٤- تهالك المواعين حيث تفتقر الموانئ النهرية لمواعين نقل حديثة مما يضطر المستخدمين لمراكب خاصة غير آمنة حيث حوادث الغرق المتكررة . ٥- فقر التفكير السياحي وغياب الاقتصاد السياحي بل انعدامه (السياحة النيلية) المتوفر كل مقوماتها الطبيعية . ٦- القيمة المضافة لخط كوستي جوبا .. حيث مدينة وميناء كوستي النهري والربط بين شمال وجنوب السودان فمن الناحية الاقتصادية فيمكن لصندل نهري واحد حمولة الف ومائتي طن (١٢٠٠ طن) اي ما يعادل حمولة ٣٧ الي ٤٠ شاحنة مما يجعله الوسيلة الفعالة والصديقة للبيئة لنقل الوقود والحبوب والمساعدات الانسانية مع الوضع في الاعتبار معالجة التحديات الامنية لجزب القطاع الخاص لهذا الخط . #- ميزان التنافس ورؤية التعافي: طول ساحل السودان علي البحر الاحمر وموقعه الاسطوري جعله مطمعا للقوي الاقليمية والدولية الساعية للسيطرة علي ممرات التجارة العالمية واهمال تطوير الموانئ وامتلاك اسطول بحري ناقل وتحديث خطوط السكك الحديد والنقل الجوي لم يكن تقصيرا فنيا فحسب بل كان ومايزال تغرة بنيوية وغياب للرؤية الجيواقتصادية استغلتها الدول المجاورة لتعزيز مكانتها اللوجستية … وهنا يبرز التساؤل الاهم ما هي رؤية التعافي واعادة بناء هذه الركائز الاقتصادية من جديد والخروج بها من نفق الاهمال والنسيان برؤية وطنية شاملة تتجاوز الحلول الترقيعية وتستهدف استعادة السيادة اللوجستية للوطن الجريح .. إذ لابد من إعادة تأسيس الناقل الوطني البحري وتأسيس شركة قابضة برأسمال وطني مع التركيز علي بواخر الركاب ونقل المواشي كبداية لضمان التدفقات المالية واعادة استقطاب الكوادر المهجرة مع بيئة عمل محفزة بعيدة عن المحاصصات السياسية والحزبية وتحديث الموانئ والتحول الي الموانئ الذكية ويجب ان تتحول هيئة الموانئ من دور المشغل الي دور المنظم من خلال تطبيق الانظمة الرقمية المتكاملة لتقليل التدخل البشري ومنع الفساد وفتح الاستثمار في صيانة الاليات والكرينات الجسدية لرفع معدلات المناولة وتقليل انتظار السفن .. ان الخطوط البحرية وهيئة الموانئ البحرية والنقل النهري ليست مجرد شركات خدمية بل هي اعمدة السيادة الاقتصادية تتكامل مع هيئة السكك الحديد والخطوط الجوية والزراعة والثروة الحيوانية واستعادتها تتطلب ارادة سياسية صلبة تعتبر اللوجستيات هذه قضية امن قومي لا تحتمل المساومة وتحريكها سيرفع من قدرات السودان الاقتصادية المنكمشة وان تكلفة الاصلاح اليوم مهما عظمت هي اقل بكثير من كلفة استمرار الانهيار والتبعية للشركات الملاحية والموانئ الاجنبية البديلة .

 

 

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *