عبدالرازق كنديرة..يكتب أى حرب كالتى تدور فى السودان يكون من المسلمات البديهية عمليات الإختراق المتبادل ، والطرف الذى يستطيع مقاومة سلاح المخبرين وتحييد فعاليته سيكسب رهان الزمن العسكرى على المدى الطويل ! أكتب هذا وأنا لست خبيرآ عسكريآ ولكن بحكم الاطلاع والبحث فى أضابير الحروب السابقة والآنية ،فحرب المخابرات هي صراع خفي يعتمد على التجسس، الخداع، وجمع الأسرار. ومن أبرز وقائعها التاريخية خطة الخداع الكبرى في [حرب أكتوبر](wikipedia.org المصرية، وفك شفرة آلة “إنيغما” الألمانية في الحرب العالمية الثانية، وعمليات التضليل والإيقاع بالعملاء المزدوجين خلال الحرب الباردة.أبرز وقائع ونماذج التجسس والخداع الاستراتيجي في أكتوبر 1973: نجحت المخابرات المصرية في إخفاء نوايا الحرب عبر تسريب معلومات متقاطعة أضاعت وجهة التقديرات الإسرائيلية وأفقدتها اليقظة.فك شفرة إنيغما: استطاع فريق بريطاني بقيادة “آلان تورينغ” فك شيفرة الاتصالات العسكرية الألمانية، مما غير مسار الحرب العالمية الثانية لصالح الحلفاء.عمليات التضليل والعملاء: شهدت فترة الحرب الباردة تبادل إسقاط واختراق للشبكات بين الاستخبارات الأمريكية والسوفيتية عبر تجنيد عملاء مزدوجين بارزين. وحرب الخامس عشر من ابريل 2023م تعتبر من اعقد مراحل الحرب الأهلية السودانية التى كان تمرد توريت 1955م الذى قاده مجموعة من الضباط وضباط الصف الجنوبيين في فيلق الاستوائية، أبرزهم الملازم رينالدو لويولا، ودانيال جومي تونغون، وماركو رومي، بمثابة انطلاقة شرارتها الأولى ! والتمرد موقف ثورى ينطلق من صميم مبادئ الكرامة الإنسانية الرافضة للظلم والطامحة فوق مذمة الخنوع والخضوع للطغاة، ولا سيما إذا كان هؤلاء الطغاة كعصابة 56 ، تلك العصابة الفاقدة للإرادة الوطنية والمجردة من المروءة والقيم الإنسانية ، فعصابة ولدت فى معاطن المخابرات المصرية ورضيت أن تظل كمخلب قط فى إدارتها لقطر السودان وسماسرة لسرقة ونهب موارده لصالح أسيادهم فى شمال الوادى ،و بينما هم كذلك فقد ظلوا ومازالوا يستخدمون جيش البازنقر المصرى فرع السودان لإجهاض مشروع الدولة السودانية المرتجاة ومصادرة حلم وطموحات الشعوب السودانية فى تأسيس وطن العزة والكرامة من خلال الإنقلابات العسكرية المتكررة على خيارات شعوبنا الديمقراطية وتكبيل فرص نهضتنا وتنميتنا الوطنية والإجتماعية الممكنة ، هى عصابة غير جديرة بالإحترام وبالتالى التمرد والثورة عليها من أوجب الواجبات الوطنية ! ولا غرو و أن ما يسمى بالجيش السودانى هو ورثة استعمارية مثله مثل كل مؤسسات دويلة 56 ! ولذا فإن الحرب الأهلية السودانية المستمرة تعتبر هى الأخرى صنيعة خارجية ورثت لنخبة التيه والضياع التى تولت الشأن العام بعد الجلاء ، وأملى عليهم الصانع الذى ملكهم أدوات اشعالها متى ما خبئت (فرق_ تسد) لإبقائها مستعرة تمامآ كنيران المجوس ! من أجل المحافظة على حالة اللادولة فى جنوب الوادى وديمومة الفشل المثمر الذى يتيح لشمال الوادى النهب المقنن للموارد والثروات ! وما أن فكر أى قيادى مدنيآ أو عسكريآ على إطفائها إلا وإنبرت له جنرالات البازنقر فأطاحت به ، مبررة لذلك التحرك العسكرى الواه ، بالحفاظ على الأمن القومى وانقاذ البلاد من خطر التشظى والإنقسام ثم تلوح بإمكانية الحسم العسكرى ! وطبعآ ما وصل له السودان من تشظى وانقسام وضياع سيادة خير دليل لمدى وطنية ومنطق عصابة التيه والضياع هذا ! وعودآ على بدء ، فإن على ثوار الخامس عشر من ابريل قرآءة التاريخ ومعرفة خصائص العدو الماكر ، ففى عالم اليوم لن تحسم الحرب بحسن النوايا والمبادئ الخيرة ! فالحرب النفسية باتت من أعتى الأسلحة فتكآ ، فالأعلام والبروباغندا الحربية وحباكة الفبركات ، وتضخيم أخطاء الخصم ، وارتكاب الجرائم وتحميلها للخصم ، والعمل السياسى والدبلوماسى الذكى فى أضابير المؤسسات العالمية كالأمم المتحدة ومجلس الأمن ، وخلق التحالفات الدولية والإقليمية ، كل ذلك ضرورى لكسب المعركة ، ولكن الأهم من ذلك كله هو تحصين الصف الثورى من الإختراق الأمنى والعسكرى والإجتماعى وفى الحرب يجب التجرد من العاطفة والعمل بكل جدية فى مراقبة و رصد نشاط العدو على المستوى العسكرى والإجتماعى والتصدى لها بحزم من خلال تقوية جهاز المناعة الثورى (جهاز المخابرات والأمن الداخلى ) ، فالطيبة والتساهل والتسامح مع العدو فى حرب قذرة كحرب الكيزان الماثلة هو نوع من السذاجة ! كما أن الإستجابة للضغوط الدولية المصطنعة والمشتراة بأموال البترودولار وتأجيل الحسم العسكرى من أجل وعود سلام مستحيل مع عصابة فاقدة للإرادة وآخر خياراتها فى هذه الحرب هو الإنقسام والإنضمام الى دولة الأسياد ما أن استطاعوا الى ذلك سبيلآ ، هو هدر للوقت الثورى الثمين ، وضياع لأحلام الجماهير والشعوب السودانية وبيعآ لدماء الشهداء ! بيد أن الإستجابة للهدن المجانية ومنابر السلام الخادعة تعتبر هى الأخرى حربآ أكثر ضراوة وخدعة كبرى من أجل تمكين العدو لإلتقاط انفاسه واستعداده عسكريآ للمباغتة والهجوم وقد تكرر ذلك عدة مرات والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين! ولا أعتقد أن ما وصلنا له من مراحل ثورية وما دفعناه من ثمن خلال هذه الثورة قابلآ للمقايضة النخبوية المعتادة كتلك المسكنات وتجزئة الحلول التى ابرمت فى أديس أبابا 1973م أو حتى نيفاشا 2005م أو أبوجا 2006م أو الدوحة 2011 م وغيرها من اتفاقيات شراء الذمم واجهاض الثورات ! فثورة الخامس عشر هى سدرة منتهى الثورة السودانية وأكثرها جذرية ومضاء وآخر سنان الهامش العريض ولذا وجب وضع النقاط على الحروف والعمل بمنتهى الجدية والثورية الممكنة فى اجثاث أس الأزمة السودانية والغوص عميقآ فى معالجة جذورها ولن يتأتى ذلك إلا بكنس عصابة الموت والدمار وقطع دابرها والى الأبد ! كنديرة 30 يوليو 2026م شارك تصفّح المقالات السوداني بين الأمس واليوم؟! إذا جَنِينُ شَرْشَار سُئِلَ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِل؟.. لَأَجَابَ: حِينَ صَارَتْ أَرْحَامُ النِّسَاءِ سَاحَاتٍ لِلْمَعَارِك!