عمار سعيد ..يكتب لم يكن خروج قوات الدعم السريع من الخرطوم، في نظر مؤيديها، إعلاناً عن نهاية المعركة، ولا اعترافاً بانكسار مشروعها العسكري والسياسي. كان قراراً بالغ الصعوبة فرضته مرحلة من الحرب اتسعت فيها دائرة الدمار، وتصاعدت خلالها الاتهامات باستخدام أسلحة ومواد محرمة دولياً، بما جعل البقاء داخل العاصمة مكلفاً على القوات وعلى ملايين المدنيين المحاصرين بين خطوط النار. لم تعد قضية الأسلحة الكيميائية في السودان مجرد اتهام تتناقله المنابر السياسية والإعلامية. ففي مايو 2025 أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن الولايات المتحدة خلصت إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024، وقررت فرض تدابير وعقوبات بموجب قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية. كما أشار تقرير رسمي أمريكي لاحق إلى أن واشنطن ناقشت مع الحكومة السودانية في مارس 2025 خطوات تتعلق بمعالجة مسألة الاستخدام المنسوب إليها. غير أن هذا الاستنتاج الأمريكي ظل مرفوضاً من السلطات السودانية، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره بديلاً عن تحقيق فني دولي مستقل صادر عن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. (state.gov) كذلك عبّرت المملكة المتحدة، في بيان قُدّم إلى المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في مارس 2026، عن قلقها إزاء التقارير المتعلقة باستخدام أسلحة كيميائية في السودان، وطالبت الحكومة السودانية بنشر نتائج تحقيقاتها. وهذه الإشارة مهمة لأنها تؤكد أن القضية دخلت فعلياً إلى أروقة المنظمة الدولية المختصة، لكنها لا تعني أن المنظمة نفسها أصدرت حكماً فنياً نهائياً يثبت استخدام تلك الأسلحة أو يحدد المسؤولية عنها. (OPCW) والفارق هنا جوهري: هناك استنتاج أمريكي رسمي ترتبت عليه عقوبات، ومواقف دولية عبّرت عن القلق وطالبت بالتحقيق، وفي المقابل لا تزال سلطة بورتسودان تنكر وترفض بشدة القبول باي آلية تحقيق فنية مستقلة تستطيع الوصول إلى مواقع الحوادث، وجمع العينات وحفظها وفق سلسلة حيازة قانونية، وتحليلها في مختبرات معتمدة، ثم إعلان نتائج قابلة للفحص والمساءلة. فالاتفاقية الدولية تحظر تطوير وإنتاج وتخزين واستخدام الأسلحة الكيميائية، لكن إثبات حادثة بعينها وتحديد الجهة المسؤولة عنها يتطلبان إجراءات فنية وقانونية لا تعوضهما البيانات السياسية، مهما كانت الجهة التي أصدرتها. (OPCW) من هذا المنظور، يصبح قرار إعادة التموضع خارج الخرطوم مفهوماً في الحسابات العسكرية لقوات الدعم السريع .فالإصرار على الاحتفاظ بالأرض تحت تهديد أسلحة ذات آثار غير تقليدية، لن يكون بطولة، بل كان سيعني إبقاء القوات والمدنيين داخل دائرة استهداف مفتوحة، واستنزافاً لا يخدم أي غاية استراتيجية. وقد بدا القرار، في لحظته الأولى، كأنه تنازل مؤلم. لكن الحرب لا تكشف نتائج قراراتها في اليوم نفسه. أحياناً يكون ما يبدو تراجعاً خطوةً ضرورية لإعادة تنظيم الصفوف، وتأمين خطوط الإمداد، وإزالة التهديدات الواقعة خلف خطوط القوات، وبناء قدرة جديدة بعيداً عن معارك المدن الضيقة. وبحسب المؤشرات السياسية والعسكرية فقد أتاحت عملية إعادة التموضع لقوات الدعم السريع الانفتاح بصورة أوسع في مناطق دارفور وكردفان، وإعادة ترتيب أولوياتها، وتدريب الجنود والضباط، وتطوير قدرات الاستطلاع والطيران المسيّر والقيادة والسيطرة. كما أنها حققت مكاسب ميدانية في عدد من المناطق، من بينها الفاشر والمثلث الحدودي وبابنوسة وهجليج وعدد كبير من القرى والمناطق الصغيرة رغم التسلسل الزمني المختلف وتبدل السيطرة في مناطق اخرى. وفي الجانب السياسي والإنساني، يمكن القول بانه استكملت جميع هياكل ومؤسسات حكومة السلام الانتقالية والتي التزمت خلال جولات التفاوض بتسهيل العمل الإنساني وضمان انسياب المساعدات إلى المناطق الخاضعة لسيطرتها. ووفقا لبيانات منشورة من وكالات الإغاثة والمنظمات العاملة ميدانياً، هناك تعاون كبير تم في هذا الجانب من قبل حكومة السلام ممثلة في هيئة الوصول الإنساني بالرغم من أن الأزمة الإنسانية في السودان أصبحت واحدة من أكبر الأزمات في العالم، وأن حماية طرق الإغاثة ومنع استخدام الغذاء والدواء أضحى سلاحاً في هذه الحرب بيد سلطة بورتسودان رغم ادعاءاتها بالتعاون مع المجتمع الدولي لكن من يستهدف المدنيين لا يستطيع الاختباء خلف بيانات لا قيمة لها سوى الضجيج الإعلامي. فخلال الأشهر الأخيرة تصاعدت التقارير الدولية بشأن الهجمات الجوية وهجمات الطائرات المسيّرة التي أصابت المدنيين والمستشفيات والمنشآت الحيوية في السودان، خصوصاً في كردفان ودارفور. وفي فبراير 2026 عبّر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن انزعاجه من تقارير تفيد بمقتل عشرات المدنيين في ضربات بطائرات مسيّرة في إقليم كردفان. كما حذرت الأمم المتحدة من الارتفاع الحاد في الهجمات التي تطال المدنيين والمنشآت الصحية. (media.un.org) أما بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، فقد وصفت الحرب بأنها حرب فظائع يُستهدف فيها المدنيون عمداً، ودعت المجتمع الدولي إلى اتخاذ تدابير للمساءلة، من بينها العقوبات الموجهة ضد الأفراد والكيانات المسؤولة عن الانتهاكات. ويشمل عمل البعثة توثيق الانتهاكات المرتكبة من أطراف النزاع وقدمت البعثة إحاطة جديدة إلى مجلس حقوق الإنسان في 15 يونيو 2026، في وقت كانت فيه المخاوف الدولية تتزايد من توسع المعارك والانتهاكات في كردفان. كما حذر مجلس الأمن في يونيو 2026 من خطورة الأوضاع حول مدينة الأبيض ومن احتمال تكرار نماذج الحصار والانتهاكات التي شهدتها مناطق أخرى. (UNOG Newsroom) وفي مقابل هذه المعطيات الدولية، توثق جهات محلية ومنصات حقوقية أرقاماً إضافية للغارات والضحايا والمنشآت المتضررة. ومن بينها الإحصاءات التي تشير إلى وقوع أكثر من 47 هجمة خلال ستة أشهر، وسقوط 1,113 قتيلاً و984 جريحاً، واستهداف ستة مرافق صحية. هذه أرقام شديدة الخطورة، لكنها تظل بحاجة إلى نشر منهجية التوثيق، وقوائم الحوادث، ومصادر البيانات، ونتائج التحقق المتقاطع، حتى يمكن الاستناد إليها بوصفها حصيلة حقوقية نهائية، لا تقديرات أولية صادرة عن جهة واحدة. العودة إلى الخرطوم: خيار سياسي وعسكري وليس مجرد شعار بعد كل ما جرى، لم يعد الحديث عن عودة قوات الدعم السريع وحلفائها إلى الخرطوم مستبعداً اطلاقاً ففي خطاب السيد قائد قوات الدعم السريع بالأمس امام قواته ومؤيديه تاكيد واضح بانه حان وقت العودة للخرطوم لكن ينبغي ألا يُقرأ كدعوة مفتوحة إلى توسيع الحرب أو تعريض المدنيين لمزيد من الخطر، بل كسيناريو عسكري وسياسي لان الدعم السريع هذه المرة لن يعود للخرطوم باعتباره فصيل عسكري وانما باعتباره دولة مكتملة الهياكل التنفيذية وحكومة وسلطة تنفيذيه ووزراء وسلطة قضائية ولن تكون الخرطوم هذه المرة مجرد مبانٍ حكومية خالية بل ستكون مركز الدولة ومؤسساتها ورمز سلطتها. وأن هذا التغيير في السيطرة علي الخرطوم سيعيد ترتيب التوازنات العسكرية والسياسية، وقد يفجر التناقضات داخل التحالفات المسلحة التي تشكلت خلال الحرب على أساس المصالح الآنية وتقاسم النفوذ. لقد اجتمعت داخل معسكر بورتسودان قوى لا يوحد بينها مشروع وطني متماسك بقدر ما توحدها، وفقاً لخصومها، الرغبة في منع التحول السياسي وحماية مراكز النفوذ القديمة. وعندما تتغير الموازين، قد تكتشف هذه القوى أن ما جمعته الغنائم لا يستطيع الصمود أمام لحظة تقاسم الخسائر. ان العودة إلى العاصمة، أصبحت واقعاً، وستكون انتصاراً حقيقياً يحتاجه السودانيون ونهاية الاعتداء على المدنيين، وحماية المستشفيات ومصادر المياه، وفتح طرق الإغاثة، ومنع الانتقام، وقوانين الوجوه الغريبة وإخضاع الجميع للقانون. شارك تصفّح المقالات إذا جَنِينُ شَرْشَار سُئِلَ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِل؟.. لَأَجَابَ: حِينَ صَارَتْ أَرْحَامُ النِّسَاءِ سَاحَاتٍ لِلْمَعَارِك! كيف تبلغ ثورة ال15 من ابريل الى مراميها السامية ؟!!