عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان..يكتب ليست كل الحروب تنفجر بسبب خلاف عابر ولا كل الأزمات تولد من المصادفة فبعضها يصبح مع مرور الزمن صناعة متكاملة لها مهندسوها وممولوها ومسوقوها ومستثمروها وما يجري في السودان منذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل عام 2023 يقدم واحدا من أكثر النماذج قسوة لهذا النوع من الأزمات التي كلما طال أمدها ازدادت تعقيدا واتسعت دائرة المستفيدين منها بينما تتقلص مساحة الحياة أمام ملايين المدنيين لقد تحولت الحرب من مواجهة عسكرية إلى منظومة تنتج الخوف والجوع والنزوح والانقسام وتعيد إنتاج نفسها كل يوم وكأنها شركة رابحة لا تريد إعلان إفلاسها لأن الإفلاس الوحيد المطلوب هو إفلاس الوطن نفسه ولأن أي مشروع مهما كان شكله لا يقوم من دون أطراف تديره فإن للحرب أيضا أطرافا واضحة يمكن قراءتها بعيدا عن الشعارات والخطب والبيانات العسكرية فمن يصنع الأزمة ليس بالضرورة هو من يموت فيها ومن يستفيد منها ليس هو من يقف في طوابير الخبز أو يحمل أطفاله هربا من القصف أما الضحية فهي دائما المواطن الذي لم يستشر أحد في إشعال الحرب ولم يمنحه أحد حق الاعتراض على استمرارها هناك من يدير السياسة بعقلية المعركة لا بعقلية الدولة ويعتقد أن الوطن لا يتسع إلا لمن يرفع السلاح وأن أي تنازل من أجل السلام هو هزيمة شخصية لا خطوة وطنية وهكذا يصبح الكرسي أغلى من الإنسان وتتحول المدن إلى ساحات اختبار للقوة بينما تتحول حياة الناس إلى أرقام في نشرات الأخبار وتقارير المنظمات الإنسانية وفي كل حرب تنشأ طبقة لا ترى في الدم مأساة بل فرصة استثمار فكل يوم جديد من القتال يعني سوقا أوسع للسلاح وطرقا أكثر للتهريب وفرصا أكبر للمضاربة في العملات والذهب والسلع الأساسية وكأن الاقتصاد الوحيد الذي يحقق نموا مستمرا هو اقتصاد الفوضى أما المواطن فلا يحصل من هذا النمو إلا على تضخم الأسعار ونقص الغذاء وانعدام الدواء ولأن الحروب لا تعيش بالسلاح وحده فإنها تحتاج أيضا إلى من يمنحها غطاء أخلاقيا أو دينيا أو إعلاميا فيتحول الخطاب أحيانا من دعوة إلى السلم إلى وسيلة لتبرير استمرار القتال ويصبح الاختلاف خيانة ويصبح السؤال جريمة ويصبح طلب السلام تهمة تستوجب التخوين وكأن الوطن خلق ليكون خندقا دائما لا بيتا مشتركا لكل أبنائه ومن أكثر المفارقات إيلاما أن الذين يطلبون من الناس الصبر لا يعيشون حياتهم في الخيام والذين يتحدثون عن التضحية لا يقفون في صفوف الإغاثة والذين يرفعون أكثر الشعارات صخبا هم في الغالب أبعد الناس عن ميادين الخطر أما المواطن البسيط فهو وحده الذي يدفع الثمن كاملا من أمنه ورزقه ومستقبل أطفاله الحرب بالنسبة لبعض المتنفذين ليست مجرد أزمة بل وسيلة لإطالة عمر النفوذ ففي زمن البنادق تتراجع المساءلة وتختفي الرقابة وتتوقف السياسة ويصبح كل سؤال مؤجلا حتى إشعار آخر بينما يتحول المستقبل إلى وعد مؤجل لا موعد له وفي المقابل تجد شبكات الفساد والتهريب بيئة مثالية للنمو لأن غياب مؤسسات الدولة يفتح أبوابا واسعة أمام اقتصاد الظل فتتحول الحدود إلى معابر للمصالح وتصبح الموارد الوطنية سلعة تباع بأقل من قيمتها بينما يخسر الشعب ثرواته مرة بالحرب ومرة بالفساد ومرة بالصمت أما على المستوى الإنساني فإن الضحية الحقيقية ليست طرفا يحمل السلاح بل ملايين المدنيين الذين فقدوا بيوتهم وأعمالهم ومدارسهم ومستشفياتهم وأحلامهم لقد أصبح النزوح أسلوب حياة وأصبحت الخيمة عنوانا لمواطنة مؤقتة وأصبح الطفل السوداني يعرف أصوات المدافع أكثر مما يعرف أصوات أجراس المدارس وهذه ليست مجرد مأساة إنسانية بل كارثة تمس مستقبل أجيال كاملة والمرأة السودانية تحمل العبء الأكبر فهي الأم التي تبحث عن الطعام والدواء والماء والأمان في وقت واحد وهي التي تحاول أن تحافظ على تماسك الأسرة بينما ينهار كل شيء حولها ومع ذلك لا تكاد تجد مكانا في طاولات التفاوض التي ترسم مستقبل البلاد أما السودان نفسه فهو الخاسر الأكبر فالمؤسسات تتآكل والبنية التحتية تتدمر والنسيج الاجتماعي يتمزق والثقة بين المواطنين تتراجع وإعادة بناء الجسور بين الناس قد تكون أصعب من إعادة بناء الجسور فوق الأنهار لأن الخرسانة يمكن صبها من جديد أما الثقة فلا يعيدها إلا العدل والمصالحة وسيادة القانون ومن السخرية التي تكشف قسوة الواقع أن الحرب أصبحت في بعض الخطابات وكأنها مشروع تنموي دائم فكلما سأل الناس عن السلام قيل لهم انتظروا النصر وكلما سألوا عن الخبز قيل لهم اصبروا من أجل الوطن وكلما سألوا عن المدارس والمستشفيات قيل لهم الأولوية للمعركة وكأن الطفل يمكنه أن يتغذى على البيانات العسكرية أو أن يعالج بالخطب الحماسية لقد آن الأوان للاعتراف بأن استمرار الحرب لا يصنع دولة قوية بل يصنع مجتمعا منهكا وأن السلام ليس هدية يقدمها المنتصر للمهزوم بل حق أصيل لكل مواطن وأن حماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني ومحاسبة كل من يرتكب انتهاكات جسيمة ليست مطالب سياسية فحسب بل التزامات قانونية وأخلاقية لا يجوز التهاون فيها إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من الأبطال الذين يجيدون صناعة الأزمات بقدر ما يحتاج إلى رجال دولة يصنعون السلام ويقدمون مصلحة الوطن على مصالح الجماعات ويؤمنون بأن قيمة أي سلطة تقاس بقدرتها على حماية الإنسان لا بإطالة أمد الحرب وفي النهاية تبقى الحقيقة الأكثر مرارة أن من يصنع الأزمة نادرا ما يدفع ثمنها ومن يستفيد منها لا يخسر أبناءه في ساحات النزوح أما الذي يدفع الفاتورة كاملة فهو المواطن السوداني الذي لم يطلب سوى وطن يتسع للجميع ودولة تحميه وسلام يعيد إليه حقه في الحياة ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي أمة ليس أن تندلع فيها الحرب بل أن تعتاد عليها وأن تصبح أخبار القتل والنزوح والجوع جزءا عاديا من تفاصيل يومها وعندها لا تكون الخسارة في الأرواح وحدها بل في ضمير الوطن نفسه. شارك تصفّح المقالات كيف تبلغ ثورة ال15 من ابريل الى مراميها السامية ؟!! عند منقلب الرعاة: هل تتقدم الركبَ نعجةُ السودان العرجاء؟!