عبدالعزير بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان ..يكتب

السودان ليس مسرحا لداعش ولا ساحة مفتوحة للجماعات المتطرفة ولا ميدانا لتصفية الحسابات الدولية ولا مشروعا تجاريا لتجار الحرب والدين والدم السودان دولة لها تاريخ وشعب عريق وله مؤسسات ومجتمع مدني وقوى سياسية وشباب ونساء ورجال حملوا على عاتقهم مسؤولية بناء وطن ظل يبحث عن الاستقرار والحرية والكرامة منذ الاستقلال

آن الاوان ان نتوقف عن اختزال السودان في صورة بلد يعيش الفوضى وانعدام الدولة وان نتوقف عن التعامل مع الشعب السوداني باعتباره مجرد كتلة بشرية تنتظر من ينقذها فالسودانيون ليسوا بلا ارادة وليسوا بلا وعي وليسوا بلا قدرة على صناعة مستقبلهم السودان بلد عانى طويلا من الحروب والانقلابات والاستبداد ولكنه في كل مرة كان الشعب هو القوة التي تعيد تعريف معنى الدولة ومعنى الوطن ومعنى الحرية

السودان ليس فراغا سياسيا ولا أرضا بلا صاحب والسودان ليس ملكا لجماعة دينية ولا لحزب سياسي ولا لقائد عسكري ولا لقوة مسلحة ولا لأي جهة داخلية أو خارجية السودان ملك لشعبه والشعب السوداني هو صاحب الحق الاصيل في تقرير شكل دولته واختيار نظام حكمه وتحديد مستقبله السياسي والاقتصادي والاجتماعي في ظل دولة القانون والمؤسسات

 

لقد أثبت التاريخ السوداني ان الشعب قادر على إسقاط الاستبداد وقادر على مقاومة الظلم وقادر على استعادة صوته مهما طال الليل فقد عرف السودان انتفاضات وثورات شعبية كبرى خرج فيها المواطنون من مختلف المدن والقرى والاحياء مطالبين بالحرية والعدالة والحياة الكريمة ولذلك فإن تصوير السودان باعتباره مجتمعا عاجزا عن بناء دولة حديثة هو ظلم للتاريخ وإهانة لعقول السودانيين ومحاولة لتبرير استمرار الوصاية والفوضى

  1. المشكلة الحقيقية ليست في الشعب السوداني وإنما في النخب التي جعلت من السلطة غاية وفي القوى التي حولت الدولة إلى غنيمة وفي الذين جعلوا من الدين وسيلة للسيطرة السياسية وفي الذين جعلوا من السلاح طريقا للوصول إلى الحكم وفي الذين وجدوا في الحرب سوقا مفتوحا للمال والنفوذ

لقد دفع السودان ثمنا باهظا بسبب تحويل الخلافات السياسية إلى صراعات مسلحة وبسبب استخدام الخطاب الديني في تعبئة المواطنين وتحويل الاختلاف السياسي إلى معركة بين الحق والباطل وبين الايمان والكفر وبين الوطن والخيانة

 

إن أخطر ما يمكن ان يحدث لأي مجتمع هو ان تتحول السياسة إلى عقيدة حرب وان يتحول الدين إلى أداة تعبئة للقتل وان يصبح الشباب وقودا لمعارك لا يعرفون أسبابها ولا يملكون قرارها ثم يطلب منهم ان يموتوا تحت شعارات كبيرة بينما يعيش صانعو القرار في مأمن من الرصاص

 

كل الشعارات الدينية التي تستخدم لتأجيج الحرب لا تمنح الحرب شرعية اخلاقية ولا تحول القتل إلى بطولة ولا تجعل الموت في ساحات الصراع طريقا لبناء الدولة فالدين في جوهره لا يحتاج إلى بندقية كي يثبت وجوده ولا يحتاج إلى دماء الشباب كي يحافظ على مكانته ومن يستخدم المقدس لتعبئة الناس ضد بعضهم البعض فإنه لا يخدم الدين وإنما يوظفه لتحقيق مصالح سياسية وسلطوية ومادية

 

لقد آن الاوان ان يدرك السودانيون ان تجارة الدين لا تختلف في خطورتها عن تجارة السلاح وان تجار الدم الذين يقتاتون من استمرار الحرب لا يعنيهم مستقبل الوطن بقدر ما يعنيهم استمرار السوق الذي صنعته الحرب

 

السودان لا يحتاج إلى المزيد من الشباب الذين يحملون السلاح وإنما يحتاج إلى شباب يحملون الكتب والأدوات والافكار والمشروعات السودان يحتاج إلى الطبيب والمهندس والمعلم والمحامي والصحفي والمزارع والتقني ورجل الاعمال والباحث والفنان والعامل السودان يحتاج إلى جيل يستطيع ان يبني ولا جيل يطلب منه ان يحرق نفسه في معارك الآخرين

 

الشباب السوداني ليس وقودا للحرب وليس رقما في قوائم القتلى وليس مادة دعائية تستخدمها القوى المتصارعة في بياناتها وخطاباتها الشباب ثروة وطنية حقيقية وأمنهم مسؤولية الدولة والمجتمع وكل القوى السياسية والعسكرية والمدنية

 

ومن حق الشباب السوداني ان يعيش طفولته وشبابه دون خوف ومن حقه ان يذهب إلى المدرسة والجامعة ومكان العمل دون ان يخشى القصف أو الرصاص ومن حقه ان يخطط لمستقبله وان يتزوج وان يعمل وان يؤسس مشروعا وان يسافر وان يعود إلى وطنه وان يعيش حياته دون ان يكون مهددا بالتجنيد القسري أو الاستقطاب السياسي أو التعبئة العسكرية

 

إن الزج بالشباب في الحروب يمثل واحدة من أخطر الجرائم الاجتماعية والسياسية التي يمكن ان ترتكب بحق مستقبل البلاد لان الحرب لا تقتل الاشخاص فقط بل تقتل سنوات كاملة من عمر الوطن وتدمر التعليم وتستنزف الاقتصاد وتفكك الاسر وتزرع الخوف وتنتج جيلا يحمل آثار العنف معه لسنوات طويلة

 

ومن منظور قانوني وحقوقي فإن حماية الشباب من مخاطر النزاع المسلح ليست ترفا سياسيا وليست منحة من السلطة بل هي جزء من واجب الدولة في حماية الحق في الحياة والسلامة والامن والكرامة كما ان قواعد القانون الدولي الانساني تفرض حماية المدنيين من آثار النزاعات المسلحة وتمنع استهدافهم وتحظر العديد من اشكال الانتهاكات التي تجعل المدنيين والشباب خصوصا ضحايا لصراع لا علاقة لهم بصناعته

 

كما ان حماية الاطفال والشباب من التجنيد والاستغلال في النزاعات المسلحة تمثل مبدأ راسخا في القانون الدولي ولا يجوز تحويل المؤسسات التعليمية والشبابية إلى ساحات للتعبئة العسكرية أو السياسية التي تقود إلى الموت

 

إن الدولة التي تحترم نفسها هي التي تجعل حياة المواطن خطا احمر وهي التي تعتبر حماية الشباب استثمارا في المستقبل وليست خسارة في معركة سياسية وهي التي تنظر إلى التعليم باعتباره خط الدفاع الاول عن المجتمع وليس إلى السلاح باعتباره الوسيلة الوحيدة لصناعة الدولة

 

السودان بحاجة إلى مشروع وطني جديد يجعل من تطوير الشباب قضية دولة كاملة لا مجرد شعار في المناسبات مشروع يقوم على التعليم والتدريب والتأهيل المهني والبحث العلمي وريادة الاعمال والتكنولوجيا والثقافة والرياضة وفتح فرص العمل وبناء المؤسسات الشبابية المستقلة

 

فالشاب الذي يجد مدرسة جيدة وجامعة مستقرة ومهنة محترمة وفرصة عمل ومشروعا يستطيع من خلاله ان يعيش بكرامة لن يكون بحاجة إلى البحث عن بندقية تمنحه شعورا زائفا بالقوة ولن يكون فريسة سهلة لمن يستغلون الفقر والبطالة والاحباط لتجنيد الشباب في مشاريع الحرب

 

ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي في السودان ليس في شراء السلاح ولا في توسيع الجيوش ولا في صناعة الخنادق وإنما في بناء الانسان السوداني الاستثمار الحقيقي هو ان يحصل الطفل على تعليم جيد وان يحصل الشاب على فرصة عمل وان تحصل المرأة على الحماية والتمكين وان يجد المواطن مستشفى يعمل وان تصل المياه والكهرباء إلى المدن والقرى وان يجد المزارع طريقا ومنتجا وسوقا وان يشعر الجميع بأن الدولة موجودة لخدمتهم وليس لإخضاعهم

 

إن من حق الشعب السوداني ان يعيش حياة كريمة وهذا الحق ليس شعارا سياسيا بل حق انساني اصيل يرتبط بالحق في الحياة والامن والصحة والتعليم والعمل والسكن والغذاء والحرية والعدالة والمشاركة في ادارة الشأن العام

 

ومن حق السوداني ان ينام آمنا في منزله ومن حق الام ان تطمئن على ابنائها ومن حق الاب ان يرى ابناءه في المدارس والجامعات لا في ساحات القتال ومن حق الطفل ان يعرف معنى المدرسة قبل ان يعرف معنى الخندق ومن حق الشاب ان يحمل شهادة ومهنة ومشروعا لا بندقية ومن حق المرأة ان تعيش دون خوف من النزوح والعنف ومن حق المواطن ان يتحرك في وطنه دون حواجز الرعب والخوف

 

ولا يمكن بناء دولة حديثة في ظل استمرار الحرب ولا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية بينما المدارس مغلقة والمستشفيات مدمرة والاسواق متوقفة والملايين نازحون والاقتصاد ينهار ولا يمكن مطالبة الشعب بالصبر إلى ما لا نهاية بينما تتسع دائرة الفقر والخوف والتهجير

 

السودان لا يحتاج إلى شعارات جديدة بقدر ما يحتاج إلى ارادة سياسية توقف الحرب وتضع مصلحة المواطن فوق مصلحة الجماعات وتعيد بناء مؤسسات الدولة على اساس القانون والمواطنة وتفتح الطريق امام انتقال سياسي حقيقي يؤسس لدولة مدنية ديمقراطية لا تسيطر عليها جماعة دينية ولا مؤسسة عسكرية ولا مليشيا مسلحة

 

إن الحديث عن محاربة التمرد لا يمكن ان يتحول إلى ذريعة لتبرير القمع أو انتهاك حقوق الانسان كما ان الحديث عن حماية الوطن لا يمكن ان يكون مبررا لإرسال الشباب إلى المحارق والحروب الوطن يحميه القانون والمؤسسات والعدالة والاقتصاد والتعليم والوعي الوطني قبل ان تحميه البنادق

 

والسودان قادر على مواجهة خطر التطرف والارهاب من خلال دولة قوية وقانون عادل ومؤسسات محترفة ومجتمع واع وليس من خلال صناعة الفوضى أو استغلال الخوف أو إطلاق الشعارات التي تقسم المجتمع إلى مؤمنين وخونة أو وطنيين وعملاء

 

إن الدولة القوية ليست الدولة التي تخيف مواطنيها وإنما الدولة التي تمنحهم الامان والدولة القوية ليست التي تكثر من السلاح وإنما التي تقل فيها الحاجة إلى السلاح والدولة القوية ليست التي تجعل المواطن يخشى مؤسساتها وإنما التي تجعل المواطن يثق فيها

 

ومن هنا فإن المطلوب ليس المزيد من التعبئة للحرب وإنما التعبئة من اجل السلام وليس المزيد من التحريض وإنما بناء ثقافة وطنية جديدة وليس استدعاء الماضي لتوسيع دائرة الانتقام وإنما صناعة مستقبل يستطيع فيه السودانيون ان يعيشوا معا رغم اختلافاتهم

 

نحن بحاجة إلى خطاب وطني جديد يقول للشباب ان حياتكم اغلى من كل الشعارات وان مستقبلكم اهم من كل المعارك وان الوطن يحتاج إليكم أحياء لا قتلى ويحتاج إلى عقولكم أكثر مما يحتاج إلى بنادقكم

 

نحن بحاجة إلى قيادات سياسية تتحمل مسؤوليتها الاخلاقية والتاريخية وتقول بوضوح ان لا قضية سياسية تستحق ان يموت من اجلها جيل كامل وان لا سلطة تستحق ان يتحول الوطن بسببها إلى مقبرة مفتوحة

 

السودان ليس مسرحا لداعش ولا غيرها والسودان ليس مختبرا للتطرف وليس ساحة مفتوحة لتصفية الصراعات الاقليمية والدولية السودان دولة وشعب وحضارة وتاريخ ومستقبل

 

ومن حق السودانيين ان يرفضوا ان تتحول بلادهم إلى عنوان دائم للحرب ومن حقهم ان يرفضوا ان يكون ابناؤهم وقودا لمشروعات سياسية لا تخدمهم ومن حقهم ان يطالبوا دولة تحميهم لا دولة تخيفهم ومن حقهم ان يطالبوا بجيش وطني مهني ومؤسسات امنية تعمل وفقا للقانون ومن حقهم ان يطالبوا بحياة سياسية تقوم على التعدد والتداول السلمي للسلطة ومن حقهم ان يعيشوا في دولة لا يكون فيها السلاح طريقا إلى السلطة ولا يكون الدين وسيلة للهيمنة ولا يكون الفقر وسيلة لتجنيد الشباب

 

إن السودان الذي نريده ليس سودان الحرب ولا سودان الخوف ولا سودان الشعارات التي تقتل أبناءه ثم تطلب من الناجين التصفيق إنه السودان الذي يستحقه شعبه دولة مدنية عادلة ديمقراطية تحترم القانون وتحمي الحقوق وتصون الكرامة وتفتح ابواب المستقبل أمام الشباب

 

فالسودان ليس مشروعا للحرب والسودان ليس سلعة في سوق السياسة والسودان ليس ملكا لتجار الدين ولا لتجار السلاح ولا لتجار الدم السودان وطن ملايين السودانيين الذين يريدون فقط ان يعيشوا بسلام وان يربوا ابناءهم بكرامة وان يجدوا مدرسة مفتوحة ومستشفى يعمل وفرصة عمل وطريقا آمنا ومستقبلا لا تحكمه أصوات الرصاص

 

إن معركة السودان الحقيقية اليوم ليست معركة من يملك السلاح الاكثر وإنما معركة من يستطيع ان يعيد للانسان السوداني كرامته ويعيد للدولة مؤسساتها ويعيد للشباب مستقبلهم ويعيد للبلاد امنها واستقرارها

 

وعندما يصبح أمن المواطن هو المعيار الاول لأي مشروع سياسي وعندما تصبح حياة الشباب أغلى من كل الشعارات وعندما يصبح القانون فوق الجميع وعندما يتوقف استغلال الدين في صناعة الكراهية وعندما تتوقف تجارة الحرب عندها فقط يمكن ان يبدأ السودان طريق الخروج الحقيقي من هذه الكارثة

 

السودان دولة وستظل دولة

 

والسودان للسودانيين جميعا

 

وأمن السودان يبدأ من كرامة الانسان السوداني

 

ومستقبل السودان يبدأ من حماية شبابه

 

والسلام ليس استسلاما

 

والعيش الكريم ليس حلما

 

والحرية ليست منحة

 

والدولة ليست غنيمة

 

وطننا يستحق ان يعيش

 

وشعبنا يستحق ان يأمن

 

وشبابنا يستحقون المستقبل

مشرق

 

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

9/أغسطس /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *