نجم الدين دريسة..يكتب أكاد أكون قد استمعت إلى معظم خطابات السيد القائد محمد حمدان دقلو موسى، منذ انحيازه المعلن لثورة ديسمبر الباذخة وحتى يومنا هذا، بقدر كبير من التدقيق والمتابعة، لا بحثاً عن جملة عابرة تصلح للاستهلاك السياسي، وإنما محاولة لفهم الرجل من خلال ما يقوله باستمرار، وما يطرحه من رؤى تجاه أزمة السودان ومستقبل الدولة. وللأمانة والتاريخ، فإن المتابع لهذه الخطابات يلحظ وعياً سياسياً وقدرة لافتة على توصيف أزمة السودان وتقديم أفكار تتسم بالبساطة والجرأة والوضوح، بعيداً عن التعقيد النظري الذي ظل يحاصر الخطاب السياسي السوداني. وعندما أستعيد مجمل تلك الخطابات، لا خطاباً بعينه، أجد أن بينها خيطاً ناظماً يصعب تجاهله. فقد ظل دقلو يعود، مرة بعد أخرى، إلى قضية جوهرية مفادها أن السودان لا يحتاج إلى تغيير حكومة بأخرى بقدر حاجته إلى إعادة تأسيس وبناء تعالج الاختلالات التاريخية التي صاحبت تكوين الدولة. وهذا تحديداً ما جعلني أرى في كثير من حديثه سمات خطابات قادة التغيير والتحرر: مخاطبة أصل المشكلة بدلاً من الدوران حول نتائجها، والبحث عن دولة جديدة بدلاً من الاكتفاء بترميم دولة ظلت تنتج أزماتها جيلاً بعد جيل. وفي قلب هذه الرؤية ظل دقلو يتحدث عن ضرورة تأسيس جيش قومي جديد، بعقيدة قتالية وطنية متفق ومتراضٍ عليها، بما يجعل المؤسسة العسكرية ملكاً لكل السودانيين وليست حكراً على جهة أو جماعة أو إقليم. كما تحدث مراراً عن التحول المدني الديمقراطي وإعادة بناء الخدمة المدنية بحيث تصبح مؤسسة قومية تخدم جميع الشعوب السودانية. وهذه بالنسبة إليّ ليست تفاصيل إدارية، وإنما شروط تأسيس دولة يشعر فيها المواطن، أينما كان، بأن مؤسساتها تمثله وتحمي حقوقه ولا تنظر إليه من موقع الهامش أو التابع. وفي الاقتصاد والتنمية ظل الرجل يضع قضية التنمية المتوازنة في صميم حديثه، ويربطها بتوظيف موارد السودان في تطوير البنية التحتية والخدمات وتحسين حياة المواطنين. وهي قضية بالغة الأهمية في بلد غني بالذهب والأراضي والمياه والثروات، بينما ظلت مجتمعات واسعة منه تعاني الفقر وغياب الطرق والمستشفيات والمدارس والخدمات الأساسية. فالعدالة ليست نصاً دستورياً وحسب؛ العدالة طريق يصل إلى القرية، ومستشفى يعالج الفقير، ومدرسة تحفظ حق الطفل، ومياه وكهرباء وفرص عمل تجعل المواطن يرى نصيبه من ثروة وطنه أمام عينيه. ومن القضايا التي استوقفتني كثيراً في خطابات دقلو تأكيده المتكرر أننا شعوب أفريقية، ودعوته إلى محاربة العنصرية وخطابات الكراهية التي تقود إلى التشظي والانقسامات المجتمعية. هذه القضية ليست هامشاً في الأزمة السودانية، بل تقع في صميمها. فقد دفع السودان ثمناً فادحاً لمحاولات فرض تصورات أحادية على بلد بالغ التنوع. والاعتراف بأفريقية السودان وتعدده لا ينتقص من أي مكوّن من مكوناته، وإنما يفتح الطريق لهوية وطنية رحبة تتسع للجميع بلا استعلاء أو إقصاء. كما ظل دقلو يؤكد وحدة السودان، ولكن الوحدة التي تحفظ حقوق الشعوب والمجتمعات، وتمنحها حقاً أصيلاً في الحكم وإدارة شؤونها عبر نظام لامركزي حقيقي. وهذا هو الفارق بين وحدة تُفرض من أعلى ووحدة يصنعها الرضا. فالدولة القومية لا تُبنى بإخضاع الأطراف للمركز، وإنما بتوزيع عادل للسلطة والثروة والقرار، وبإحساس كل مجتمع بأنه شريك أصيل في الوطن. ولهذا ظل حديثه عن اللامركزية مرتبطاً، في فهمي، بفكرة أوسع هي إعادة صياغة العلاقة بين الدولة وشعوبها. ولعل أكثر عباراته دلالة حديثه عن تحرير العقول. فالسودان لا يحتاج فقط إلى تحرير مؤسساته من الاختلال، وإنما إلى تحرير الوعي نفسه من العنصرية والاستعلاء والصور النمطية التي قسمت السودانيين وأقنعت بعضهم بأن الدولة حق تاريخي لفئة دون غيرها. تغيير الحكومات لا يكفي إذا بقي العقل الذي أنتج الأزمة كما هو. وتأسيس السودان الجديد يبدأ عندما يصبح الاختلاف الثقافي والإثني والديني مصدر ثراء، وتصبح المواطنة وحدها أساس الحقوق والواجبات. وبالرغم من حملات التشويه السياسية والإعلامية المنظمة التي استهدفت دقلو، فإنني أرى أن الحكم المنصف على الرجل ينبغي أن يبدأ من قراءة ما ظل يطرحه فعلياً. فمن يتتبع مجمل خطاباته يجد حضوراً مستمراً لقضايا الشعوب السودانية وتطلعاتها في الحرية والسلام والعدالة والتنمية، إلى جانب التأكيد على سيادة السودان على أراضيه وثرواته واستقلال قراره الوطني. والاختلاف السياسي معه حق مشروع، لكن الإنصاف أيضاً حق، ولا ينبغي للخصومة أن تتحول إلى أداة تمنع قراءة الأفكار ومناقشتها كما هي. والأهم أن هذه الرؤية لم تبق حبيسة خطابات دقلو، بل وجدت امتداداً سياسياً ونظرياً في المشروع الذي تبناه تحالف السودان التأسيسي، وفي وثائقه، ومن بينها الدستور الانتقالي لسنة 2025، والمبادئ فوق الدستورية، والوثيقة السياسية التي وقعت عليها قوى سياسية ومدنية وحركات مسلحة. ففي هذه الوثائق انتقلت كثير من القضايا التي ظل الرجل يتحدث عنها من فضاء الخطاب إلى محاولة صياغتها داخل مشروع سياسي ودستوري متكامل لإعادة بناء الدولة. لقد خاطبت تلك الأطروحات قضايا الحكم والسياسة والإدارة والهوية والاقتصاد والعلمانية واللامركزية والوحدة الطوعية والعدالة التاريخية، وطرحت إعادة تأسيس الدولة السودانية على قواعد جديدة وعادلة ومستدامة. وهنا يصبح مشروع التأسيس أكبر من الأشخاص أنفسهم؛ لأنه يطرح السؤال الذي تهربت منه النخب السودانية طويلاً: هل نريد إعادة الدولة القديمة بوجوه جديدة، أم نملك الشجاعة لمراجعة الأسس التي أنتجت الحروب والتهميش وعدم الاستقرار؟ لهذا، وبعد سنوات من متابعة خطابات محمد حمدان دقلو، أجدني أمام رجل لا يمكن اختزال تجربته في الصور التي يصنعها خصومه عنه. أراه قائداً استطاع أن يضع قضايا ظلت مهمشة في قلب النقاش السياسي، وأن يتحدث بلغة بسيطة ومباشرة عن أسئلة معقدة طالما أخفتها النخب خلف المصطلحات والنظريات. قد يختلف الناس حول دقلو، وهذا طبيعي في السياسة، لكن الاختلاف لا يلغي ما قاله ولا القضايا التي تبناها. والتاريخ في النهاية لا يكتب بما يقوله الخصوم وحدهم، وإنما بما تتركه المواقف والأفكار والمشروعات من أثر. وبالنسبة إليّ، فإن جوهر ما ظل دقلو يقوله يمكن اختصاره في فكرة واحدة: السودان لا يحتاج إلى إعادة إنتاج الماضي، وإنما إلى تأسيس دولة جديدة تتسع لكل شعوبه، تحترم تنوعهم، وتحقق العدالة بينهم، وتصون سيادتهم، وتجعل السلطة والثروة والوطن حقوقاً مشتركة لا امتيازات محتكرة. وهذا ليس مجرد تغيير سياسي. إنه سؤال تأسيس وطن. شارك تصفّح المقالات ثورة هادم- ودولة خادم_ من أجل إعادة البناء والتأسيس حين حمل السودانيون الوطن في حقائبهم بين المأساة… وصناعة الأمل.