آدم الحاج أديب..يكتب

 

ليست أزمة السودان وليدة الحرب الأخيرة، ولا هي نتاج خلاف سياسي عابر بين قوى متنافسة، وإنما هي، في جانب عميق منها، أزمة بنيوية متجذرة في طريقة إنتاج السلطة الاجتماعية والدينية والسياسية. ومن أبرز مظاهر هذه الأزمة استمرار بعض الموروثات التاريخية التي جعلت من الوراثة معيارًا للزعامة، ومن الانتماء الأسري أو الديني أو القبلي طريقًا مختصرًا إلى النفوذ، حتى أصبح السؤال عن الكفاءة والأهلية يأتي أحيانًا في مرتبة متأخرة عن سؤال: من ابن من؟ ومن يخلف من؟

 

ومن هنا يأتي الحديث عن موسى هلال بوصفه نموذجًا يمكن من خلاله قراءة موروث أوسع من شخصه.

 

ففكرة الخلافة في السودان لم تكن محصورة في المجال الديني وحده، بل امتدت إلى الإدارة الأهلية والبيوتات الدينية والسياسية. وكانت الخلافة، في أصلها، تقوم من حيث المبدأ على انتقال المسؤولية إلى من تتوافر فيه شروط الأهلية والحكمة والقدرة على حفظ الجماعة وإدارة شؤونها. غير أن هذا المفهوم تعرض، مع مرور الزمن، لاختلال كبير؛ فتحولت المسؤولية في بعض البيئات من تكليف اجتماعي إلى امتياز موروث، ومن أمانة إلى سلطة، ومن اختيار قائم على الحكمة والكفاءة إلى حق يُستمد من النسب والوراثة.

 

وهنا بدأ الداء.

 

فالزعامة حين تتحول إلى إقطاع اجتماعي، يصبح المجتمع أسيرًا لماضٍ لا يستطيع تجاوزه، وتصبح الأجيال الجديدة مطالبة بالطاعة لمن ورث المكان، لا لمن أثبت أهليته له. ولم يكن هذا الاختلال دينيًا أو اجتماعيًا فحسب، بل كانت له نتائجه السياسية؛ إذ أصبح من السهل على القوى السياسية استثمار هذه البنية وتوظيفها في صناعة الولاءات والتحالفات.

 

من إقطاعيات الزعامة إلى إقطاعيات الدين والسياسة

 

وليس الموروث الأهلي وحده هو الذي أنتج هذه الإشكالية في السودان؛ فهناك موروث آخر لا يقل خطورة، يتمثل في البيوتات السياسية والدينية والطائفية التي تحولت، عبر التاريخ، وفي مراحل مختلفة، إلى مراكز نفوذ تتوارث المكانة والرمزية والولاء، وتتشكل حولها شبكات اجتماعية وسياسية يصعب أحيانًا فصلها عن بنية الدولة والمجتمع.

 

فالنموذج الذي يمثله تاريخ آل المهدي وآل الميرغني وما ارتبط به من طائفية سياسية، يكشف جانبًا من هذه البنية؛ حيث تداخلت الزعامة الدينية بالسياسة، وتحولت الرمزية الدينية والاجتماعية إلى رصيد سياسي متوارث، وأصبح الانتماء إلى البيت أو الطائفة، في مراحل تاريخية معينة، بوابة مهمة للنفوذ السياسي.

 

ولا يقف الأمر عند البيوتات السياسية الكبرى، بل يمتد إلى بعض الحواكير الروحية والصوفية والجماعات الدينية التي نشأت حولها مراكز نفوذ اجتماعي وثقافي، ثم تطورت في بعض الحالات إلى ما يشبه الإقطاعيات الرمزية التي يصبح فيها الولاء موروثًا، والرمز محصنًا، والمراجعة أمرًا بالغ الصعوبة.

 

ومن بين النماذج الأخرى التي تستحق القراءة بعض التيارات والجماعات الإسلامية الحديثة، ومنها أنصار السنة وغيرها من التيارات التي امتلكت مؤسساتها ومنابرها وشبكاتها الاجتماعية ومجالات تأثيرها، فأصبحت جزءًا من مشهد ديني واجتماعي شديد التنافس على النفوذ والتأثير.

 

لكن المشكلة هنا ليست في وجود جماعة دينية أو طائفة أو بيت ديني في حد ذاته؛ فالتنوع الديني والاجتماعي جزء أصيل من تاريخ السودان. المشكلة تبدأ عندما يتحول الرمز إلى حصانة، والانتماء إلى امتياز، والولاء إلى بديل عن الكفاءة، والنفوذ الديني أو الاجتماعي إلى سلطة سياسية غير خاضعة للمساءلة.

 

ثالثة الأثافي: الحركة الإسلاموية

 

غير أن ثالثة الأثافي ــ في هذا السياق ــ كانت الحركة الإسلاموية السودانية؛ لأنها لم تكتفِ بوراثة الموروث أو الاستفادة منه، بل حاولت إعادة هندسته وتوظيفه سياسيًا بصورة أكثر شمولًا وخطورة.

 

فقد دخلت الحركة الإسلاموية إلى مساحات الدين والقبيلة والطائفة والإدارة الأهلية والجيش والاقتصاد والتعليم والإعلام، وحاولت أن تجعل من هذه المكونات جميعًا روافع لمشروع سياسي واحد.

 

وهنا انتقل السودان من مشكلة الموروث الذي يرفض التجديد إلى مشكلة أخطر: المشروع السياسي الذي يوظف الموروث ويعيد إنتاجه لخدمة السلطة.

 

لقد تعاملت الحركة الإسلاموية مع التناقضات الاجتماعية والسياسية لا باعتبارها أمراضًا ينبغي علاجها، وإنما باعتبارها أدوات يمكن استخدامها. فاستثمرت في الانقسامات، واستدعت الدين حين تحتاج إلى الشرعية، والقبيلة حين تحتاج إلى التعبئة، والرموز الأهلية حين تحتاج إلى الغطاء الاجتماعي، ثم جعلت الدولة نفسها ساحة لإعادة توزيع النفوذ والامتيازات.

 

ولذلك يمكن القول إن الحركة الإسلاموية لم تكن مجرد امتداد لموروثات السودان القديمة، بل كانت مشروعًا لإعادة تدوير تلك الموروثات داخل ماكينة سياسية حديثة.

 

فإذا كانت بعض البيوتات الدينية والسياسية قد ورثت نفوذًا تاريخيًا، وإذا كانت بعض الإقطاعيات الاجتماعية والدينية قد حصّنت مواقعها عبر الزمن، فإن الحركة الإسلاموية جاءت لتضع كثيرًا من هذه المكونات ــ بدرجات متفاوتة ــ داخل منظومة سياسية أكثر صرامة، حتى صار الموروث، بدل أن يكون موضوعًا للمراجعة، مادة خامًا لصناعة السلطة.

 

وهنا تكمن المفارقة السودانية الكبرى:

 

كلما فشل المجتمع في تحرير نفسه من سلطة الموروث، وجد السياسي مادة جاهزة لاستعباد الحاضر.

 

موسى هلال: هل تكفي الوراثة لصناعة الزعامة؟

 

وفي هذا السياق يبرز سؤال موسى هلال، لا باعتباره سؤالًا عن شخص بعينه فقط، وإنما باعتباره سؤالًا عن معايير الزعامة الأهلية نفسها:

 

هل كل من ورث موقعًا اجتماعيًا يصبح بالضرورة أهلًا لقيادة جماعته؟

 

إن تقاليد الإدارة الأهلية في دارفور، مثل غيرها من النظم الاجتماعية، لم تكن تمنح الاحترام لمجرد النسب، وإنما كانت تربطه بالحكمة والوقار وحسن السيرة والقدرة على الإصلاح وحفظ الجماعة. ولذلك فإن السلوك الشخصي للزعيم لم يكن شأنًا خاصًا منفصلًا تمامًا عن أهليته الاجتماعية؛ لأن من يتولى أمر الناس يُفترض أن يكون نموذجًا في الانضباط والمسؤولية.

 

ومن هنا، فإن ما يُتداول عن سلوك موسى هلال الشخصي، بما في ذلك اتهامات تتعلق بتعاطي الخمر أو ممارسات يعتبرها المجتمع المحافظ منافية للوقار، يفتح نقاشًا أوسع حول معيار الأهلية، مع ضرورة التمييز بين الوقائع المثبتة والاتهامات المتداولة.

 

فالسؤال الحقيقي ليس التشهير بالرجل، وإنما:

 

إذا كانت الزعامة الأهلية تقوم على الأخلاق والحكمة والقدوة، فهل تكفي الوراثة وحدها لتعويض أي نقص في هذه المعايير؟

 

وإذا كان موسى هلال قد وصل إلى موقعه باعتباره خلفًا لوالده، الذي عُرف ــ بحسب الروايات المتداولة في محيطه الاجتماعي ــ بالكفاءة والحكمة، فإن انتقال المكانة من الأب إلى الابن لا يعني بالضرورة انتقال صفات الأب إلى الابن.

 

وهنا يستحضر الوجدان الدارفوري مثلًا بالغ الدلالة:

 

«النار تخلف الرماد».

 

فليس كل خلفٍ امتدادًا حقيقيًا للسلف، وليس كل وريثٍ وارثًا للحكمة.

 

حين تكشف الكلمات عورة الزعامة

 

ولعل أخطر ما كشفته تصريحات موسى هلال الأخيرة أنها أثارت غضبًا واسعًا في أوساط مختلفة من المكونات العربية والأفريقية في دارفور، الأمر الذي جعلها تتجاوز حدود الرأي الشخصي إلى اختبار حقيقي لمفهوم الزعامة الأهلية ومسؤولية من يتصدر المشهد الاجتماعي.

 

فالزعيم يفترض أن يكون جسرًا بين مكونات مجتمعه، لا أداة لإهانتها أو الانتقاص من تاريخها وهويتها. ومن يتحدث باسم قبيلة أو مكون اجتماعي يفترض أن يدرك أن كلماته لا تمثله وحده، وإنما قد تُحسب على الجماعة التي يتصدر واجهتها.

 

ومن هذه الزاوية، فإن تصريحات موسى هلال لا تكشف فقط عن أزمة في الخطاب، وإنما تفتح سؤالًا أعمق حول أهليته الاجتماعية والسياسية للزعامة.

 

فإذا كان الإنسان عاجزًا عن احترام مكونات المجتمع من حوله، فكيف يمكن أن يكون زعيمًا لها؟

 

بل إن السؤال يصبح أكثر حدة:

 

هل يستطيع أن يكون زعيمًا لنفسه، دعك من أن يكون زعيمًا لقبيلة؟

 

إن الإساءة إلى مكونات اجتماعية سودانية ضاربة الجذور في التاريخ ليست شجاعة سياسية، ولا تعبيرًا عن قوة الزعيم، وإنما قد تكون، على العكس، شهادة على محدودية الوعي بخطورة الكلمة ومسؤولية الموقع.

 

فالزعامة ليست صوتًا مرتفعًا، ولا نسبًا موروثًا، ولا موقعًا اجتماعيًا ينتقل من الأب إلى الابن؛ الزعامة أخلاق ومسؤولية وحكمة وقدرة على جمع المختلفين تحت سقف واحد.

 

ولهذا فإن من يضع نفسه في مواجهة قطاعات واسعة من مجتمعه، ويستفز حساسيات تاريخية واجتماعية عميقة، إنما يبدد بيده ــ سياسيًا واجتماعيًا ــ الرصيد الذي يفترض أن يستند إليه.

 

وقد تكون هذه التصريحات، بدل أن تمنحه مساحة جديدة في المشهد، قد كشفت عن سوءة الموروث حين ينفصل عن الحكمة والمعرفة والمسؤولية، وأصبحت بمثابة شهادة على مأزق الزعامة حين تُستمد من الإرث أكثر مما تُستمد من الأهلية.

 

حين ينقلب السلاح على حامله

 

والأخطر أن تحالف الكيزان نفسه قد يجد في مثل هذه الخطابات مأزقًا لم يكن يتوقعه. فالقوى التي تحاول استخدام الرموز الأهلية والقبلية والدينية لتوسيع نفوذها السياسي قد تكتشف أن هذه الأدوات يمكن أن تنقلب عليها؛ لأن خطاب الإقصاء والتصنيف والاستعلاء الاجتماعي لا يوحد الحلفاء، بل يدفع المكونات المختلفة إلى إعادة اكتشاف مصالحها المشتركة بعيدًا عن المشروع الذي أراد توظيفها.

 

وهنا تكمن المفارقة الكبرى:

 

قد يكون تحالف الكيزان، وهو يسعى إلى توظيف الموروث الأهلي والقبلي في معركته السياسية، قد أطلق من داخله عوامل تفتيته وتفكيكه دون أن يدرك.

 

فالمجتمع السوداني، رغم كل الانقسامات التي أصابته، لا يزال أوسع من أي تحالف سياسي، وأعمق من أي مشروع أيديولوجي. وكل محاولة لاحتكار الوطنية أو اختزال السودان في جماعة أو قبيلة أو تيار ديني ستدفع بالضرورة مكونات أخرى إلى رفض هذا الاحتكار والبحث عن صيغة جديدة للانتماء الوطني.

 

ومن هنا، فإن تصريحات موسى هلال ربما أرادت أن تخدم مشروعًا سياسيًا بعينه، لكنها قد تفعل العكس تمامًا: أن توقظ الوعي الجمعي ضد توظيف القبيلة، وتكشف هشاشة التحالفات التي تقوم على استدعاء الموروث بدل بناء المستقبل.

 

وهذه هي المفارقة التي يجب أن يتوقف عندها الجميع:

 

حين يستخدم السياسي الموروث ليحكم الحاضر، قد ينتهي به الأمر إلى صناعة وعي جديد يرفض الموروث السياسي نفسه.

 

السودان بين أسر الماضي وصناعة المستقبل

 

إن المشكلة في السودان أكبر من موسى هلال، وأعمق من الإدارة الأهلية. إنها مشكلة مجتمع ظل، في كثير من جوانبه، ينتقل من موروث إلى موروث، ومن زعامة موروثة إلى سلطة موروثة، ومن قداسة اجتماعية إلى حصانة سياسية، دون أن يمر بالضرورة عبر بوابة الكفاءة والمعرفة والمساءلة.

 

والأخطر من ذلك أن السياسيين ظلوا يجدون في هذه الموروثات مادة جاهزة للاستخدام. فحين يحتاج السياسي إلى شرعية اجتماعية، يستدعي القبيلة. وحين يحتاج إلى شرعية دينية، يستدعي المؤسسة الدينية أو البيت الديني. وحين يحتاج إلى تعبئة سياسية، يستدعي الموروث التاريخي.

 

وهكذا يتحول المجتمع إلى مخزون من الرموز التي يجري توظيفها عند الحاجة، بينما تظل مؤسسات الدولة الحديثة ضعيفة أمام سلطة الأشخاص والموروثات.

 

لقد آن الأوان لأن يعيد السودانيون النظر في هذه البنية بأكملها.

 

نحن بحاجة إلى انتقال تاريخي من دولة الموروثات إلى دولة المؤسسات، ومن سلطة النسب إلى سلطة الكفاءة، ومن الزعامة الموروثة إلى القيادة المستحقة، ومن القداسة الاجتماعية إلى المساءلة القانونية.

 

وهذا لا يعني إلغاء الإدارة الأهلية أو محاربة الدين أو التنكر للتاريخ؛ فالمجتمعات التي تتنكر لتاريخها تفقد جزءًا من ذاكرتها. لكن الحكمة ليست في عبادة الماضي، وإنما في القدرة على فهمه ونقده وتجاوز ما لم يعد صالحًا منه.

 

السودان يحتاج إلى تغيير شامل في بنيته الاجتماعية والدينية والأهلية والسياسية، يواكب روح العصر والتطور، وينقل المجتمع من دولة الموروثات وسجون الماضي التاريخي إلى فضاء معرفي وعلمي معتق بحكمة التفاعل الحضاري واستشراف آفاق المستقبل.

 

نحتاج إلى مجتمع يستطيع أن يحترم الشيخ دون أن يقدسه، ويحترم العمدة دون أن يجعله فوق المساءلة، ويحترم الزعيم القبلي دون أن يمنحه صكًا مفتوحًا للسلطة، ويحترم السياسي دون أن يحوله إلى مالك للحقيقة.

 

فالدولة الحديثة لا تُبنى بالموروث وحده، ولا بالقبيلة وحدها، ولا بالدين حين يتحول إلى أداة سياسية، ولا بالزعامة التي تنتقل من الأب إلى الابن كما تنتقل الملكية الخاصة.

 

إنها تُبنى بالمعرفة والقانون والمؤسسات والوعي.

 

وما لم نمتلك شجاعة مراجعة هذا الموروث، فسنبقى ندور في الدائرة ذاتها: يستغل السياسي القبيلة، ويستغل الديني العاطفة، ويستغل الأهلي الموروث، ثم يدفع المجتمع ثمن هذا التداخل.

 

ولذلك فإن قضية موسى هلال ليست في نهاية المطاف قضية رجل واحد، وإنما هي مرآة لمرض سوداني قديم:

 

أن نخلط بين من ورث المكانة ومن يستحقها، وبين من يملك النسب ومن يملك الكفاءة، وبين احترام التاريخ والاستسلام له.

 

وهذا هو موروث الداء العضال الذي لا يمكن للسودان أن يتعافى منه إلا عندما ينتقل من عبادة الموروث إلى صناعة المستقبل؛ ومن دولة الأشخاص والرموز إلى دولة المواطن والمؤسسات؛ ومن استغلال الدين والقبيلة والتاريخ إلى تحريرها جميعًا من قبضة السياسة.

 

فالسودان لن يخرج من دوامة الاستغلال السياسي والديني والأهلي ما لم يتحرر من التعبد في محراب الموروث المتخلف، ويستبدله بعقل نقدي، ومؤسسات عادلة، ووعي وطني يتسع لكل السودانيين.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *