نجم الدين دريسة…يكتب

 

تخوض الأمة السودانية اليوم واحدة من أكثر معاركها التاريخية تعقيداً وحسماً معركة لم تعد تدور حول مقاعد الحكم أو تبديل الوجوه في قمة السلطة، وإنما حول طبيعة الدولة نفسها، والأسس التي قامت عليها، ومن يملكها، ولمن تعمل، وكيف توزّع السلطة والثروة والكرامة بين شعوبها…. إنها لحظة انعتاق كبرى تراكمت أسبابها عبر عقود طويلة من القهر والتهميش والإقصاء، حتى بلغ الصراع نقطة لم تعد معها التسويات الشكلية قادرة على إخفاء السؤال المؤسس هل يستمر السودان أسيراً لبنية «دولة 1956»، أم يولد من بين هذا الركام وطن جديد يقوم على العدالة والمواطنة المتساوية؟؟؟؟

 

إن القراءة العميقة لما يجري تكشف أن الصراع الراهن ليس نزاعاً عابراً على السلطة، وإنما مخاض تاريخي عسير لتأسيس سودان جديد مختلف جذرياً مع إرث الدولة النخبوية التي قامت بنيتها على مركزية خانقة واحتكار ممتد للقرار السياسي والاقتصادي والعسكري. فالدولة التي عجزت طوال عقود عن استيعاب تنوع شعوبها، وأدارت

أطرافها بمنطق القوة والإخضاع، وأعادت إنتاج الامتيازات التاريخية جيلاً بعد جيل، وصلت اليوم إلى لحظة انكشاف كبرى لم تعد تنفع معها الشعارات ولا حيل السرديات القديمة والزائفة.

 

لقد تكشّف الوجه الأكثر قسوة لهذه الدولة حين صبّت آلتها العسكرية نيرانها على مناطق واسعة، فطالت الأعيان المدنية والمرافق الحيوية والأسواق وموارد المياه والمستشفيات، وسقط الأطفال والنساء والشيوخ في مشاهد جسدت أقصى درجات التجرد من القيم الإنسانية. وتحولت مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، في منطق هذه الحرب، إلى جغرافيا مستباحة، كأن وجود المدنيين فيها يسقط عنهم حقهم في الحياة ، وكأن المجتمعات يمكن معاقبتها جماعياً لأنها رفضت الاصطفاف خلف الدولة الإستعمارية أو اختارت الانحياز إلى مشروع التغيير.

 

ولم تقف المأساة عند حدود القوة العسكرية المميتة، بل امتدت إلى استخدام الأسلحة الكيميائية والأسلحة المحرمة دولياً في سياق محاولة سحق المجتمعات الداعمة لخط التغيير وإخضاعها بالقوة. والأكثر فداحة أن هذا الموت وجد من يحتفي به ويحوّله إلى مادة للتشفي، حتى أُطلقت على الطيارين أوصاف من شاكلة «صانع الكباب العظيم» في تعبير يكشف مقدار الانحدار الذي يمكن أن يبلغه الخطاب عندما تُنزَع الإنسانية عن الضحية…. فحين يصبح موت الأطفال مدعاة للفرح، وحين يُنظر إلى المجتمعات باعتبارها جديرة بالسحق لأنها تقف في الجغرافيا الخطأ ، نكون أمام أزمة تتجاوز السياسة إلى انهيار أخلاقي شامل.

 

إن هذه العقلية لا تستند إلى حق أخلاقي أو وطني، وإنما إلى غطرسة تاريخية واستعلاء متجذر وادعاءات زائفة لنخب ظلت تتعامل مع السودان باعتباره ملكية سياسية خاصة، ومع السلطة باعتبارها امتيازاً تاريخياً لا يجوز الاقتراب منه…. وهي نخب تريد الاستمرار في الحكم ولو كان الثمن قتل الشعوب ونهب الموارد وممارسة البطش والتنكيل. ولذلك لم يكن العنف بالنسبة إليها مجرد أداة عسكرية، وإنما امتداداً لمنظومة سياسية كاملة ترى أن المجتمع إما أن يخضع لشروطها، أو أن يتحمل عواقب رفضه قتلا وتنكيلا وتشريد وتهجير قسري وبطش وانتهاكات وكل اشكال الفظائع .

 

والمؤسف أكثر هو ذلك الصمت الخرافي الذي مارسته قطاعات من المثقفين وأصحاب الامتيازات التاريخية تجاه ما جرى ويجري، حتى بدا الأمر كما لو أن ممارسات هذا الجيش، امتداداً تاريخياً لوظيفة «جيش ونجت باشا» وحراس دولة الاستعمار، تعبّر عن مصالحهم وتعبد لهم الطريق للاستمرار في احتكار السلطة والثروة. لقد كان ذلك الصمت مؤسفا جدا لأنه أسقط دفعة واحدة كثيراً من السرديات التي ظلت ترفع حول الديمقراطية والإنسانية وحقوق الإنسان والمرأة والطفل فإذا بهذه الشعارات تتهاوى عندما أصبح الضحايا في أحسن الأحوال يجدون بيانات ادانة علي استحياء.

 

لقد أُشعلت هذه الحرب، في جوهرها، ضمن مشروع سياسي وعسكري استهدف إجهاض ثورة ديسمبر وقطع الطريق أمام عملية التغيير وإعادة الحركة الإسلاموية إلى السلطة. . ومعلوم بالضرورة أن قوات الدعم السريع قد اتخذت موقفاً واضحاً بالانحياز إلى معسكر الثورة والتغيير، وعززت هذا الموقف بمواقفها السياسية المعلنة، وفي مقدمتها دعم الاتفاق الإطاري والانخراط في مسار التحول. ولذلك أصبحت هذه القوات هدفاً مباشراً لمخطط أراد حسم وجودها عسكرياً خلال ساعات، والعودة الي السلطة علي جماجم الشعوب السودانية والإجهاز على الثورة .

 

وفي هذا السياق جاء ما حدث في معسكر سركاب، حيث تم الغدر بنحو خمسة آلاف من عناصر قوات الدعم السريع وهم عزل ويستعدون للتفويج للمشاركة في «عاصفة الحزم».. لم تكن الغاية، مجرد تحقيق تفوق عسكري محدود، وإنما القضاء على قوات الدعم السريع سريعاً وفتح الطريق أمام الإجهاز الكامل على مشروع الثورة والتغيير… لقد استمرأ الجيش، في هذه القراءة، الغدر والتآمر باعتبارهما وسيلتين لحماية بنية السلطة القديمة كلما شعرت بأن موازين القوة التاريخية التي تستند إليها أصبحت مهددة.

 

لكن المفارقة الأكثر إيلاماً أن قطاعات من القوى المدنية والسياسية، رغم معرفتها بتفاصيل الأزمة وخلفياتها، اختارت الاحتماء بتعبير «طرفي النزاع» و«طرفي الحرب»، فساوت بذلك بين المعتدي ومن تعرض للغدر… وهذه ليست مجرد مشكلة لغوية لأن اللغة في لحظات التحولات الكبرى تحدد طبيعة الموقف السياسي والأخلاقي. وحين تعرف القوى المدنية من أشعل الحرب ولماذا أُشعلت، ثم تعود لتوزيع المسؤولية بالتساوي، فإنها لا تقف على مسافة واحدة بقدر ما تمنح بنية الدولة القديمة فرصة للهروب من مسؤوليتها التاريخية.

 

وتزداد هذه المفارقة وضوحاً أمام المواقف المعلنة لقوات الدعم السريع بشأن السلام وإنهاء الحرب، فضلاً عن إعلان المبادئ الذي وقعه قائدها مع القوى المدنية والسياسية في أديس أبابا في يناير 2024. ولذلك فإن استمرار التعامل معها وفق سردية المساواة المجردة بين طرفين يمثل، في تقديري، تجنياً واضحاً عليها وتواطؤاً سياسياً مع جيش مخترق أيديولوجياً ومرتهن لإرادة خارجية. . وكان الموقف الأخلاقي والوطني يستدعي من القوى المدنية والديمقراطية الانحياز إلى قوى الثورة والتغيير ومواجهة المؤسسة التي اختطفت الدولة وأجهضت مسار الانتقال.

 

لكن هذا الموقف كشف حقيقة أشد عمقاً أن ذهنية «دولة 56» ليست حكراً على الحكومات التي تعاقبت عليها، بل تتغلغل كذلك داخل أجزاء معتبرة من معارضتها. فالسلطة والمعارضة التقليدية، على اختلاف خطاباتهما، قد تلتقيان عندما يصبح الامتياز التاريخي نفسه موضع تهديد … وهنا يتضح أن الأزمة لم تكن يوماً مجرد خلاف بين حكومة ومعارضة، وإنما أزمة بنية كاملة أعادت إنتاج نفسها داخل المؤسسات والأحزاب والنخب والثقافة السياسية، بحيث أصبح الحفاظ على الدولة القديمة أحياناً أهم من الخلاف حول من يجلس على قمتها.

 

ومن هذا المنظور أيضاً ينبغي قراءة محاولات شيطنة قوات الدعم السريع ووصمها بـ«التمرد» و«الخروج». فهذه ليست سردية جديدة في التاريخ السوداني، وإنما وصفة جاهزة استخدمتها الدولة المركزية ضد كل قوة انتفضت على الظلم التاريخي؛ من الحركة الشعبية لتحرير السودان إلى الحركات المسلحة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان. في كل مرة كانت الدولة تضع نفسها في مقام الوطن، ثم تصف الخارجين على بنيتها السياسية بأنهم خارجون على الوطن نفسه، لتغلق بذلك الباب أمام السؤال الحقيقي المتعلق بأسباب الثورة والتمرد والاحتجاج.

 

غير أن المعادلة هذه المرة مختلفة جذرياً. فقد تبلور تحالف سياسي عريض يقوم على قوى صلبة ويشكل كتلة حرجة تستند إلى رصيد شعبي وجماهيري واسع، وهو تحالف ماضٍ نحو وضع حد للدولة النخبوية الاستعمارية التي استنزفت السودان وشعوبه. وهذه النقلة تعني أن المسألة لم تعد احتجاجاً هامشياً يمكن احتواؤه أو حركة منفردة يمكن عزلها وشيطنتها، وإنما مشروعاً سياسياً يسعى إلى إعادة تعريف الدولة نفسها وإقامة شرعية جديدة تنطلق من إرادة الشعوب السودانية وتنوعها التاريخي والاجتماعي.

 

إن ما تقوم به قوات تأسيس من إعادة تموضع وانطلاق نحو معركة تحرير السودان يمثل، في جوهره، انتقالاً من الدفاع عن الوجود إلى مشروع الانعتاق الشامل من التبعية والخنوع ومنظومة الامتيازات التاريخية. والتحرير هنا ليس مجرد السيطرة على الأرض، وإنما تحرير مفهوم الدولة من احتكار النخبة، وتحرير المواطنة من التهميش السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي ، وتحرير الموارد من النهب، وتحرير القرار الوطني من الارتهان، وصولاً إلى تأسيس دولة جديدة تعبّر عن تطلعات الشعوب السودانية وتستمد مشروعيتها من إرادتها الحرة.

 

وهي دولة لا مكان فيها لمواطن من الدرجة الأولى وآخر من الدرجة الثانية، ولا لمركز يحتكر القرار وأطراف تدفع فاتورته، ولا لنخبة تورث السلطة والثروة والامتياز عبر الأجيال. إنها دولة تقوم على المواطنة المتساوية، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، والاعتراف بالتنوع، وإعادة بناء المؤسسات على أسس جديدة وعادلة ومستدامة. وهذا هو المعنى الحقيقي للتأسيس ألا نعيد طلاء جدران الدولة القديمة، وإنما نهدم قواعد الظلم التي قامت عليها ونبني عقداً وطنياً جديداً لا يعيد إنتاج المأساة ذاتها.

 

أما ما تفعله الدويلة المتهاوية اليوم، وتوظيفها لمؤسسات الدولة ومواردها في محاولة وقف هذا المد، فليس سوى «فرفرة مذبوح» لنظام تاريخي يشعر بأن الأرض التي وقف عليها عقوداً بدأت تنسحب من تحت قدميه. ولذلك تتضاعف مقاومته كلما اقترب سؤال التغيير من جوهر السلطة والامتياز. لكن عقارب التاريخ لا تعود إلى الوراء، والشعوب التي دفعت كل هذه الأثمان لن تقبل العودة إلى النقطة التي بدأت منها.

 

لقد دخل السودان لحظة لا تكفي فيها التسويات القديمة، ولا تستطيع السرديات النخبوية أن تحجب حقائقها. فالمعركة أصبحت بين دولة استنفدت مبررات بقائها ونظام جديد يسعى إلى التشكل من قلب المعاناة التاريخية للشعوب. وقد آن للسودانيين أن يخرجوا من أسر دولة الامتياز إلى رحابة دولة المواطنة، ومن مركزية القهر إلى عدالة المشاركة، ومن الارتهان إلى الاستقلال الحقيقي. إن بلادنا على موعد مع التحرير والانعتاق، وعلى أعتاب تأسيس دولة سودانية جديدة على أسس عادلة ومستدامة دولة لا يملكها أحد فوق شعوبها، ولا يكون فيها السودان غنيمة لنخبة، وإنما وطناً كاملاً لجميع أبنائه.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *