الجميل الفاضل …يكتب في عام ٢٠٠١ أعلن عالم الوراثة الإيطالي لويجي لوكا كافالي سفورزا، في كتابه «الإنسان في الشتات»، أن تسعين بالمائة من النساء السودانيات يحملن مورثاتٍ متصلة دون انقطاع منذ نشأة الإنسان على هذه الأرض. وقطع بأن أصول الجنس البشري كلها تعود جينياً إلى السودان، وأن الأصل نفسه لا يُصنَّف لأنه لا يوجد ما يُقاس عليه. ثم ذهب إلى أن فهم البشرية فهماً صحيحاً يتطلب دراسة جينوم السودانيين، لأنهم ليسوا مجرد شعب، إنما هم الأصل الأول. من هنا لم يعد السودان قوس قزح العالم فحسب، بل علبة ألوانه وفرشاته معاً. هنا جاءت الألوان أولاً لتتعرف على بعضها، قبل أن تحمل من أرض السودان رملاً وطيناً ونهراً وضوءاً، سرّ الإنسان. وكأن الخالق وضع علبة ألوانه في هذا الموضع، ثم ترك للبشرية أن ترسم. فهذا أسمر بلون الأرض، وذاك أسود بلون الطين، وآخر ذهبي بلون الشمس، وغيره أخضر بلون الزرع، أو أحمر بلون الشفق، أو أبيض بلون الضوء المنكسر على الماء. ثم جاءت الوجوه فأخذت من أرضه ألوانها، ومن شمسه أسرارها، ومن هجراته تداخلاً يجعل الوجه الواحد لوحة سريالية تمشي على قدمين. ولذلك لا يُفهم السودان إذا سألناه: ما لونك؟ لكنه يُدرَك إذا سألناه: كم لوناً مرّ بك أو خرج منك؟ فالسودان ليس سلالة واحدة ولا لساناً واحداً ولا ذاكرة واحدة. إنه ذاكرة الألوان كلها حين تصير وطناً. ومن أراد أن يجعل السحنة أو اللسان معياراً لسودانية السوداني، كمن يقف أمام لوحة مكتملة ثم يقول: هذا اللون وحده هو الأصل، ولا حاجة لنا بسواه. وقد جاء بعضهم اليوم بـ«قانون الوجوه الغريبة» ليقولوا: «هؤلاء لا يشبهوننا». بيد أنهم نسوا أن السودان لم يُخلق ليشبه لوناً بعينه، لأنه هو مجمع ألوان كما كان مجمع بحرين. فالقرآن نفسه لا يرى في اختلاف الألوان عيباً، بل آية: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ… وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ و﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾. اختلاف الألوان عند الخالق جمال، فكيف نجعله اليوم تهمة؟ علي أية حال، فالسودان لوحة حية: النيل فرشاته، والهجرات ألوانه، وحضارات كوش وكرمة ومروي ودارفور وسنار طبقات طلاء فوق لونه الأساسي. والنيل، سليل الفراديس، يجمع هكذا الروافد ليصنع من الأزرق والأبيض نهراً واحداً «خاتف لونين»، كأنما يقول لنا: هكذا تُصاغ فسيفساء مثل هذا الوطن؛ لا بإلغاء اختلافاته، فيما هو يجري في النهاية نحو مصب واحد. ولذلك فالسودان ليس خارج التصنيف لأنه بلا هوية، لكن لأنه أوسع من أي تصنيف. وبالتالي فإن من يحاول حصره في لون أو عرق يضيّق واسعاً ويفسد لوحة لا تحتاج إطاراً أضيق منها. ومن يريد له لوناً واحداً كمن يريد لقوس قزح أن يتخلى عن ألوانه. إذ حين نقرأ: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ نفهم أن التعدد طريق إلى التعارف لا خطأ يحتاج تصحيحاً. وحين نقرأ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ نعرف أن ميزان الإنسان ليس في لون وجهه. إذن فإن مهمتنا اليوم هي أن نبني سوداناً تتجاور فيه الألوان وتتعانق فيه الوجوه وتتعارف فيه الأرواح، حتى لا يسأل أحد: من أي عرق أو جهة أنت؟ أو لماذا هو هكذا لونك أو لسانك؟ لكنه يسأل فقط: من أين يشرق نورك؟ وأين موضعه فيك؟ شارك تصفّح المقالات خطة الكيزان البديلة وحكومة الظل..