بقلم: آدم الحاج أديب….يكتب

الخميس 13 أغسطس 2026م

الموافق 19 صفر 1448هـ

لم يعد خطاب الكراهية في السودان مجرد انحراف في الخطاب السياسي، ولا مجرد نتيجة عابرة للحرب؛ بل أصبح أحد أخطر الأدوات التي يجري توظيفها لتفكيك ما تبقى من الروابط الوطنية، وتحويل المجتمع السوداني إلى جماعات متناحرة، يقتتل بعضها مع بعض، بينما يظل أصحاب مشاريع الهيمنة السياسية بعيدين عن دائرة المساءلة.

وعندما تفشل مشاريع السيطرة السياسية، وتتراجع قدرة أصحابها على استعادة نفوذهم عبر الأدوات التقليدية، تبدأ عملية البحث عن كروت جديدة لإعادة إنتاج الصراع. ومن أخطر هذه الكروت إثارة النعرات القبلية، وتأجيج خطاب الكراهية، وتحويل التنوع السوداني من مصدر ثراء إلى وقود للحرب.

إنها محاولة لدفع السودان نحو معادلة خطيرة: حرب الكل ضد الكل؛ بحيث لا يعود الصراع بين مشروع دولة ومشروع سلطة، وإنما يتحول إلى صراع مجتمعي مفتوح، تتعدد فيه الجبهات، وتتسع دائرة الانتقام، ويصبح المواطن نفسه ضحية لمجرد انتمائه الجغرافي أو القبلي أو السياسي.

وهنا ينبغي أن يكون السؤال واضحًا: من المستفيد من تفكيك النسيج الاجتماعي السوداني؟ ومن المستفيد من تحويل القبائل والمكونات الاجتماعية إلى أدوات اقتتال؟

إن الإجابة لا ينبغي أن تقودنا إلى شيطنة قبيلة أو مكون اجتماعي بأكمله، لأن ذلك يعني الوقوع في الفخ نفسه الذي يصنعه خطاب الكراهية. فالقبائل والمجتمعات السودانية ليست هي المشكلة؛ المشكلة في توظيف الانتماءات الاجتماعية والسياسية لإنتاج الكراهية والعنف والإقصاء.

معركة التصنيف تبدأ من مواجهة «قانون الوجوه الغريبة»

وأول خطوة في خوض معركة التصدي لخطاب الكراهية هي مواجهة منظومة التصنيف والتمييز؛ ذلك التصنيف الذي لا يكتفي بالتمييز على أساس القبيلة أو اللون، وإنما يمتد إلى الشكل والملامح والجغرافيا، بل وحتى إلى الاسم.

إنها عقلية تختزل الإنسان في مظهره، وتتعامل مع لون بشرته أو لهجته أو مكان ميلاده أو اسم أسرته باعتبارها قرائن اتهام، وتفتح الباب أمام ما يمكن تسميته مجازًا «قانون الوجوه الغريبة»؛ حيث يصبح شكل الإنسان أو اسمه أو منطقته سببًا للاشتباه فيه، وكأن المواطنة أصبحت امتيازًا تمنحه جماعة لجماعة أخرى.

وهنا يجب أن تكون معركة الوعي واضحة: لا يجوز أن يكون لون الإنسان تهمة، ولا شكله دليلًا على انتمائه، ولا جغرافيته سببًا للريبة، ولا اسمه جوازًا للتصنيف والإقصاء.

ومن هنا تأتي ضرورة التصدي لكل الخلايا والممارسات الأمنية غير القانونية التي تعمل على مراقبة المواطنين وتصنيفهم خارج إطار القانون، وتحويل الاختلاف الاجتماعي والجغرافي إلى شبهة أمنية.

إن الدولة التي تحترم مواطنيها لا تبني أمنها على ملامح الناس، ولا على أسمائهم، ولا على قبائلهم، وإنما على القانون والأدلة والإجراءات القضائية العادلة.

لقد عاش السودانيون عقودًا من الاستقطاب السياسي، وشهدوا كيف يمكن للشعارات الدينية والوطنية أن تتحول إلى أدوات للتمكين والإقصاء. واليوم، بعد كارثة 15 أبريل 2023م، لا يجوز أن نسمح بإعادة إنتاج المأساة نفسها بأدوات أكثر خطورة.

فالشعار الذي يحكم هذا النوع من المشاريع ليس بناء الدولة، وإنما منطق القوة: «إما أن نحكمكم أو نقتلكم».

وهذا هو جوهر المعركة التي ينبغي أن يخوضها الشعب السوداني اليوم: معركة الوعي قبل أن تكون معركة السلاح؛ ومعركة تفكيك خطاب الكراهية قبل أن يتحول إلى بنية اجتماعية دائمة.

إن السودان لن يخرج من أزمته بإعادة تدوير النخب التي صنعت الأزمة، ولا بتغيير الوجوه مع بقاء العقلية نفسها، ولا باستبدال شعار إقصائي بشعار إقصائي آخر.

الخروج الحقيقي يبدأ من الاعتراف بأن السودان وطن متعدد، وأن التنوع ليس تهديدًا للدولة، وأن المواطنة لا تتجزأ، وأن لا قبيلة فوق القانون، ولا جماعة فوق الدولة، ولا حزب يملك حق احتكار الوطن.

إن معركة السودان الحقيقية هي استعادة الدولة من أنقاض الحرب، واستعادة المجتمع من قبضة الكراهية، واستعادة الإنسان السوداني من الخوف والتصنيف والانتقام.

فإذا نجح خطاب الكراهية في تحويل السوداني ضد السوداني، فإن الحرب تكون قد حققت أخطر أهدافها حتى وإن صمتت المدافع.

أما إذا نجح الشعب السوداني في إسقاط خطاب الكراهية، ورفض منطق «نحن وهم»، وتمسك بالمواطنة والعدالة وسيادة القانون، فإن ذلك سيكون أول انتصار حقيقي في معركة الخروج من جذور الأزمة.

هذه ليست معركة قبيلة ضد قبيلة، ولا إقليم ضد إقليم، ولا جماعة ضد جماعة؛ إنها معركة وعي شعب يريد أن يتخلص نهائيًا من جذور النبت الشيطاني الذي جعل السلطة غاية، والإنسان وسيلة، والوطن رهينة لمعادلة: «إما نحكمكم أو نقتلكم».

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *