الجزء الاول … [ ١ ]

 

م. عبدالملك زكريا علي…يكتب

#- أزمة الوجود والوعي في السودان المعاصر اي جدلية إشباع البطون وتنوير العقول في فضاء الحرب والصراع البنيوي .. حيث تعيش الدولة السودانية منذ اندلاع النزاع المسلح في الخامس عشر من أبريل عام 2023م منعطفاً تاريخياً هو الأكثر خطورة في تاريخها الحديث ولم يقتصر هذا الصراع على مواجهة عسكرية تقليدية او صراعا سياسيا للسيطرة على السلطة والموارد فحسب بل امتد ليتخذ شكل حرب شاملة طالت البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية والإدراكية للمجتمع السوداني وفي قلب هذا المشهد المعقد تتبدى معضلة وجودية منطقية كبرى تطرح نفسها علي النخب والمواطنين على حد سواء .. هل تكمن أولوية المرحلة الحالية في تركيز الجهود الوطنية والدولية على إشباع البطون لإنقاذ ملايين الأنفس البشرية من شبح المجاعة المحدق أم أن الحاجة أشد لعملية موازية تُعنى بـإشباع العقول والقناعات لحماية البنية الفكرية والهوية الجامعة وتجنيب المجتمع الارتداد للأمية والتطرف والجهل ؟ وهذا ما يقود لتحليل جيوسياسي واجتماعي وثقافي شامل للواقع .. إن هذه الثنائية ليست خياراً تصادمياً بل هي جدلية تكاملية وجودية فالجسد البشري الجائع يمثل الوعاء المادي الحامل للوعي بينما يمثل الوعي النقدي والتعليم الحصن الفكري الذي يحمي هذا الجسد من التحول إلى أداة لإنتاج العنف والدمار وتؤكد المناهج الفكرية المتكاملة أن أي أسلوب يقتصر على إشباع الحاجات المادية البسيطة دون الالتفات إلى العقول والقلوب والأرواح يظل عاجزاً عن بناء الاستقرار المستدام ونهضة المجتمع .. فالإنسان المعاصر يحتاج لتلبية حاجاته الجسدية والعقلية والروحية معاً لضمان تماسكه كفرد وعضو فاعل في المجتمع المعافى في ظل التسارع التكنولوجي . #- الكارثة الغذائية والبيئية: واقع إشباع البطون في مرمى التجويع المنهجي .. حيث يمثل مشهد الجوع الحاد وسوء التغذية الوجه الأكثر وحشية للحرب الدائرة الان وتشير أحدث البيانات الإنسانية والتحذيرات العاجلة الصادرة عن مبادرة التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي في عام 2026م إلى أن الكارثة بلغت مستويات غير مسبوقة تضع ثلثي سكان البلاد على حافة الفناء البيولوجي ولم يعد الجوع مجرد عَرَض جانبي للمعارك بل تحول بوضوح إلى سلاح استراتيجي يُستخدم لإعادة هندسة الواقع الديمغرافي الاجتماعي والسياسي من خلال استهداف طرق الإمداد وتدمير الأسواق وتعطيل الزراع وتعكس الأرقام المسجلة في الربع الأول من عام 2026م تسارعاً مخيفاً في وتيرة الكارثة الغذائية حيث تشير التقديرات الرسمية للأمم المتحدة إلى تفاقم كارثي لأزمة الغذاء وسوء التغذية الحاد وسط توقعات بارتفاع الحالات المصابة بسوء التغذية إلى مستويات حرجة وتوسع رقعة المجاعة في إقليم كردفان الكبرى ومناطق الاشتباك والعمليات ويتضح حجم هذا التدهور الهيكلي من خلال المؤشرات والبيانات الإنسانية والبيئية الواضحة حيث إجمالي السكان المحتاجين للمساعدات اكثر من ثلثي السكان بكافة ولايات السودان مع تركز الأزمة في مناطق النزاع المباشر مع انهيار كلي لقدرات الصمود الذاتي والتكيف الاقتصادي للأسر السودانية .. وأكثر من (21) مليون شخص يواجهون انعداماً غذائياً حاداً وتفشي ظاهرة البراغماتية القاسية وتوجيه السلوك البشري نحو البقاء الغريزي المحض مع معدلات سوء التغذية الحاد في مناطق ذروة العمليات العسكرية وهو تهديد مباشر للحياة البشرية وارتفاع هائل في معدلات الوفيات الروتينية غير المرصودة وضغط فائق على المنظومة الصحية المنهارة اصلا مع نشوء أنماط نزوح متكررة كـنمط حياة واقعي وضغط هائل على البيئة الطبيعية المحدودة .. إن هذه المؤشرات المفزعة تتزامن مع تدهور بيئي حاد ناجم عن الحرب وتغير المناخ حيث يؤدي تمركز ملايين النازحين في مناطق جغرافية ضيقة إلى استنزاف المياه والموارد الغابية مع انتشار الملوثات العسكرية والنفايات الصحية والجثث غير المدفونة مما يزيد من معدلات انتشار الأوبئة الفتاكة كالملاريا وحمى الضنك والكوليرا وتزداد الصورة قتامة مع إعلان برنامج الأغذية العالمي عن تقليص حصصه الغذائية بنسب عالية تصل إلى 70% في المناطق المهددة بالمجاعة و50% في المناطق المعرضة لها نتيجة شح التمويل الدولي والعوائق اللوجستية والأمنية المفروضة من أطراف النزاع حيث تتطلب حركة قوافل المساعدات موافقات حكومية معقدة وموجهة بعناية بقصد الحرمان للمستحقين وضمانات أمنية غائبة من قوات الدعم السريع للمرور العاجل إلى المدن الارياف ومناطق العمليات الجارية . #- تجريف العقول وبناء الجهل .. واقع المنظومة التعليمية ومخاطر الجيل المفقود بالموازاة مع معركة البطون الجائعة حيث يتعرض العقل السوداني لعملية تجريف معرفي وتدمير منظم للبنى التعليمية والثقافية وهذه العملية تصنف كأكبر كارثة تعليمية في تاريخ السودان والمنطقة .. لقد استهدفت الحرب المصنوعة بعناية فائقة من مشعليها ومسعريها استهدفت العملية التعليمية ومؤسساتها من مدارس وجامعات بشكل مباشر حيث تحولت آلاف القاعات الدراسية والمدارس إلى ملاجئ للنازحين أو ثكنات ومستودعات عسكرية ومدافن وساحات للإستنفار والتعبئة هذا فضلا عن الحرائق نتيجة سقوط الدانات .. وتشير تقديرات اليونيسف والمنظمات الدولية الشريكة إلى الكوارث الهيكلية التي تضرب حاضر ومستقبل المعرفة في السودان وان شريحة الأطفال خارج المنظومة التعليمية ما يقارب العشرين مليون طفل (أي نحو 90% من الأطفال في سن المدرسة) محرومون تماماً من التعليم الرسمي حالياً مما يجعل السودان يواجه خطر نشوء اجيال ضائعه تعليمياً ويرتدون تدريجياً نحو الأمية والجهل المعرفي والسياسي وإفتقاد فرص الوظيفة العامة مستقبلاً (تجهيل ممنهج).. وتدمير وإغلاق منهجي للمدارس بسبب الحرب لعدد يزيد عن مضاعف عشرات الآلاف مدرسة على مستوى البلاد في حين لم تتمكن سوى نسب لم تتجاوز 33% تقريباً من المدارس من فتح أبوابها مجدداً في الولايات البعيدة عن العمليات العسكرية وحتى هذه المدارس المفتوحة تعاني من تكدس الفصول وضعف الإمكانيات وتحول بعضها لمراكز إيواء مع تراكم الدفعات وغياب التقويم والتضيق علي الوجوه الغريبة!!!!! .. حيث تعيش المنظومة التعليمية حالة من الشلل التام مع التغيب القسري لاكثر من 130 ألف طالب وطالبة عن امتحانات الشهادة السودانية لعدم توفر ممرات آمنة لهم وتدهور أوضاع أسرهم المعيشية والأمنية هذا علي مستوي التعليم العام فضلا عن أزمة التعليم العالي والجامعات حيث واجهت الجامعات دماراً كبيراً فاق قدراتها المالية وصعّب من صيانة داخليات الطلاب وقاعات المحاضرات وانعدام الطاقة مما اضعف البنية التحتية الرقمية (الانترنت) بالاضافة الي تشريد آلاف المعلمين وأعضاء هيئات التدريس بهجر مهنتهم نزوحاً داخلياً أو لجوءاً خارجياً للعمل في مهن هامشية منخفضة (الكرامة) والدخل لتأمين لقمة العيش لأسرهم بعد انقطاع رواتبهم الطويل بسبب نقص التمويل والصرف المتدني للدولة على التعليم والذي لم يتجاوز تاريخياً نسبة 1-2% من الميزانيات العامة ويمتد هذا الانهيار المعرفي ليلاحق الطلاب السودانيين الفارّين إلى دول الجوار ففي مصر وليبيا وتشاد يواجه اللاجئون صعوبات مادية قاسية للنفاذ إلى التعليم البديل وتسجل العائلات السودانية عجزاً كبيراً عن سداد الرسوم الدراسية المرتفعة بالمدارس السودانية الخاصة في مصر والتي تتراوح بين 21 و25 ألف جنيه مصري سنوياً للطالب الواحد او ما يعادل ذلك بالدولار الامريكي مما أجبر مئات الأسر على إبقاء أبنائها خارج الفضاء التعليمي لتتسع فجوة الأمية والجهل بين اللاجئين .. إن خطورة تدمير المدرسة والجامعة تكمن في غياب الفضاء المعرفي الحاضن لثقافة السلام والطمأنينة والمواطنة وفي غياب هذا الفضاء البديل والآمن يتحول ملايين الأطفال والشباب المحرومين من التعليم إلى مستهدفين للتجنيد القسري والاستقطاب العسكري من أطراف الصراع لينضم بعضهم كـمستنفرين في صفوف الجيش واخرين كعناصر (حَمِية) في الدعم السريع مما يعني تحويل طاقات جيل كامل من أداة لإعمار الوطن وعقوله إلى وقود لتدميره الإحيائي والحيوي والمادي . اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحرب . اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحرب . اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحرب . م. عبدالملك زكريا علي ،،،

اغسطس 2026م

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *