عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان ..يكتب السلام ليس هزيمة ولا استسلاما ولا تنازلا عن الوطن السلام هو انتصار الانسان على الموت وانتصار الدولة على الفوضى وانتصار العقل على البندقية وانتصار المستقبل على ماضي الدم والدمار وفي السودان الذي مزقته الحروب وانهكته المآسي لم يعد السؤال هل نريد السلام ام الحرب فالشعب السوداني حسم هذا السؤال منذ سنوات الشعب يريد السلام يريد ان يعيش يريد ان يعود الى بيته يريد ان يرى اطفاله في المدارس بدلا من معسكرات النزوح يريد ان يسمع صوت الحياة بدلا من صوت الرصاص لكن المأساة الحقيقية ان هناك من لا يزال يرى في استمرار الحرب وسيلة للبقاء السياسي ومصدرا للنفوذ وطريقا لاعادة انتاج نفسه في المشهد السوداني وهنا يجب ان تقال الحقيقة بلا خوف ولا مواربة من يصر على استمرار الحرب لا يمكنه ان يقدم نفسه للشعب باعتباره رجل السلام ومن كان جزءا من صناعة الحرب او استمر في تبريرها لا يمكنه ان يحتكر الحديث باسم السلام ومن اتخذ قرارات الحرب في الغرف المغلقة لا يملك الحق في ان يقرر وحده كيف تنتهي الحرب ولا كيف يصنع السودانيون مستقبلهم لقد سئم الشعب السوداني هذه المسرحية مسرحية تتغير فيها المنصات وتتبدل فيها العواصم وتتغير فيها الوجوه بينما يبقى المواطن السوداني هو الخاسر الوحيد مرة في ابوجا ومرة في الدوحة ومرة في جدة ومرة في المنامة ثم تعود الحرب من جديد تتغير الطاولة لكن المأساة واحدة تتغير البيانات لكن الجثث واحدة تتغير الشعارات لكن النازح واحد وتتغير الوجوه لكن المواطن السوداني هو الذي يدفع الثمن لقد آن الاوان لكي نسأل السؤال الذي يحاول البعض الهروب منه لمصلحة من تستمر الحرب؟ من المستفيد من استمرار النزوح؟ من المستفيد من انهيار الاقتصاد؟ من المستفيد من بقاء السلاح فوق ارادة الدولة ؟ من المستفيد من تعطيل الانتقال المدني الديمقراطي ؟ ومن المستفيد من بقاء الشعب السوداني منشغلا بالبقاء على قيد الحياة بدلا من ان ينشغل ببناء مستقبله ؟ هذه الاسئلة لم تكن سياسيا بل مشروعة انها اسئلة شعب تعلم من المأساة فالسوداني اليوم اكثر وعيا مما يظن دعاة الحرب واكثر قدرة على قراءة المشهد واكثر فهما للخطاب السياسي واكثر قدرة على التمييز بين من يريد السلام فعلا ومن يريد استخدام كلمة السلام كغطاء سياسي لمواصلة الحرب لقد انتهى زمن تغفيل الشعب السوداني وانتهى زمن التعامل مع المواطن باعتباره مجرد متلق للشعارات وانتهى زمن مطالبة السوداني بأن يصدق كل ما يقال له باسم الوطن والكرامة والسيادة لقد دفع الشعب ثمنا باهظا حتى تعلم الحقيقة وعرف ان الوطن لا يحميه تدمير المدن وان الكرامة لا تصنعها الجثث وان السيادة لا تعني ان يظل المواطن خائفا من الرصاص وان الوطنية ليست ان تطلب من الناس التضحية بلا نهاية بينما تظل مصالح اصحاب القرار محمية والاكثر خطورة هو ان تتحول الحرب الى مشروع سياسي قائم بذاته فحين تصبح الحرب وسيلة للبقاء في السلطة يصبح السلام خطرا على اصحاب المصالح لأن السلام الحقيقي يعني كشف الحساب من قتل من نهب من دمر من هجر من ارتكب الانتهاكات ومن استخدم مؤسسات الدولة او السلاح خارج اطار القانون والسلام الحقيقي يعني عدالة انتقالية حقيقية ويعني محاسبة كل من ارتكب جرائم بحق المدنيين ايا كان موقعه او صفته ويعني اعادة بناء الدولة على اساس المواطنة والقانون ويعني الوصول الى مؤسسة عسكرية وطنية مهنية واحدة تخضع للسلطة المدنية الدستورية ويعني انهاء ظاهرة الجيوش الموازية وكتائب الظل وكل اشكال السلاح خارج الدولة ويعني في النهاية عودة الشعب الى موقعه الطبيعي باعتباره صاحب السيادة ومصدر الشرعية ولهذا فان بعض دعوات الحوار تبدو في نظر المواطن السوداني مجرد اعادة تدوير للازمة فليس كل اجتماع حوارا وليس كل تفاوض سلاما وليس كل من دعا الى الحوار مؤهلا لقيادته الحوار الحقيقي لا يبدأ من رغبة المتحاربين في اقتسام السلطة بل يبدأ من حق الشعب في الحياة ولا يبدأ من مصالح النخب بل من معاناة الضحايا ولا يبدأ من غرف الفنادق بل من واقع النازحين واللاجئين والقرى والمدن التي دمرتها الحرب الحوار الذي يحتاجه السودان ليس حوارا بين اصحاب السلاح وحدهم ولا حوارا بين القوى التي تتصارع على السلطة بل حوارا سودانيا حقيقيا يشارك فيه اصحاب المصلحة الحقيقيون الضحايا النازحون اللاجئون النساء الشباب القوى المدنية النقابات منظمات المجتمع المدني والسودانيون من مختلف الاقاليم والمكونات والمجتمعات حوار يسمع صوت من فقد بيته قبل صوت من يبحث عن منصب وحوار يسمع صوت الام التي فقدت ابنها قبل صوت السياسي الذي يبحث عن شرعية جديدة وحوار يجعل المواطن السوداني هو مركز العملية السياسية وليس وقودا لها ان الذين يراهنون على استمرار الحرب عليهم ان يفهموا ان السودان تغير الشعب تغير والوعي تغير والاسئلة تغيرت لم يعد المواطن يسأل فقط من انت بل يسأل ماذا فعلت ولم يعد يسأل ماذا تقول بل يسأل ماذا كانت نتيجة ما فعلت ولم يعد يكتفي بالشعارات بل يبحث عن الحقيقة ولهذا فان كل محاولات التلاعب بالوعي الشعبي وكل محاولات استخدام دماء الضحايا في المزايدات السياسية ستنكشف عاجلا ام آجلا فالناس تعرف من يعيش الحرب ومن يدفع ثمنها وتعرف من يملك القدرة على اتخاذ القرار وتعرف ان المواطن البسيط ليس هو من اختار الحرب لكنه هو من دفع ثمنها هو الذي فقد منزله وهو الذي نزح وهو الذي فقد عمله وهو الذي فقد ابنه وهو الذي حمل اطفاله وعبر الحدود بحثا عن الامان وهو الذي يقف اليوم امام مستقبل مجهول بسبب قرارات لم يكن شريكا فيها وهنا تكمن اكبر مفارقة في المأساة السودانية ان من يدفع الثمن ليس هو من يقرر ومن يقرر ليس هو من يدفع الثمن وهذه المعادلة يجب ان تنتهي لان استمرارها يعني استمرار الحرب واذا كان هناك من يعتقد ان الشعب السوداني سيظل صامتا او مخدوعا بالشعارات فهو لا يعرف هذا الشعب الشعب السوداني الذي خرج في ديسمبر واسقط نظاما سياسيا عتيقا قادر على ان يميز اليوم بين من يريد بناء الدولة ومن يريد استخدام الدولة وقادر على ان يميز بين من يريد السلام ومن يريد هدنة مؤقتة لاعادة ترتيب صفوف الحرب وقادر على ان يميز بين من يريد الديمقراطية ومن يريد ديمقراطية بلا شعب وقادر على ان يميز بين الوطنية الحقيقية والوطنية التي تستخدم لتبرير العنف لذلك فان الرسالة الى دعاة الحرب واضحة كل المروغات مكشوفة وكل محاولات الالتفاف على الحقيقة مكشوفة وكل محاولة لارتداء ثوب السلام بعد سنوات من تبرير الحرب لن تمحو ذاكرة السودانيين لن تمحو دموع الامهات لن تعيد الابناء الذين فقدوا لن تعيد البيوت التي دمرت لن تعيد السنوات التي ضاعت من اعمار الاطفال ولن تستطيع ان تجعل الضحية تنسى من كان سببا في مأساتها لكن السودان لا يحتاج الى الانتقام السودان يحتاج الى العدالة ولا يحتاج الى المزيد من الدم بل يحتاج الى وقف نزيف الدم ولا يحتاج الى مزيد من الاصطفاف بل يحتاج الى مشروع وطني جامع ولا يحتاج الى حوار شكلي بل يحتاج الى حوار حقيقي يفتح الطريق امام دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة وسيادة القانون ان اعظم مسؤولية اخلاقية وسياسية تقع اليوم على عاتق كل سوداني هي ان يقول بوضوح كفى حربا كفى موتا كفى نزوحا كفى استغلالا لمعاناة الشعب كفى استخداما للوطن كذريعة للصراع على السلطة لقد آن للسودان ان يعيش آن للطفل السوداني ان يعرف المدرسة لا المعسكر آن للام السودانية ان تنام دون خوف من فقدان ابنها آن للنازح ان يعود الى منزله آن للاجئ ان يعود الى وطنه بكرامة وامان آن للمواطن ان يأمن على نفسه ومستقبل اسرته آن للسودان ان يستعيد انسانيته والسلام الذي يحتاجه السودان ليس سلاما بين المتحاربين فقط بل سلاما بين الدولة والمواطن سلاما بين المواطن وحقه في الحياة سلاما بين السودان ومستقبله ولهذا نقولها بوضوح من يريد السلام فليثبت ذلك بوقف الحرب والسعي الجاد الى تسوية عادلة ومن يريد الحوار فليفتح الحوار لكل السودانيين لا لفئة واحدة ومن يريد بناء الدولة فليضع مصلحة المواطن فوق مصلحة الجماعة ومن يريد الديمقراطية فليقبل ان الشعب هو صاحب القرار اما من يريد استمرار الحرب ثم يتحدث عن السلام فليعلم ان الشعب السوداني اصبح اكثر وعيا من ان تنطلي عليه هذه اللعبة فالمسرحية لم تعد مقنعة والشعارات لم تعد كافية والدماء التي سالت لن تسمح للذاكرة ان تنسى والشعب الذي عاش الحرب يعرف جيدا لمصلحة من تستمر ويعرف ان السلام الحقيقي لن يأتي من الذين يرون في الحرب طريقا للبقاء بل سيأتي عندما يصبح الوطن اكبر من الاحزاب والدولة اكبر من الجماعات والانسان اكبر من السلطة عندها فقط يمكن ان يبدأ السودان طريق الخلاص فالسلام ليس منحة من أحد السلام حق للشعب السوداني والحرب ليست قدرا ومن اشعل الحرب لا يملك وحده مفاتيح السلام لان مفاتيح السلام الحقيقية يجب ان تعود الى الشعب ذلك الشعب الذي دفع الثمن ذلك الشعب الذي صبر ذلك الشعب الذي نزح ذلك الشعب الذي فقد احباءه ذلك الشعب الذي ما زال رغم كل هذا الخراب يحلم بوطن واحد حر ديمقراطي يسع الجميع ولذلك فان اكثر ما يمكن ان يقال اليوم هو اتركوا للشعب حقه في الحياة اتركوا للسودان فرصة للسلام فقد كفاه موتا وكفاه نزوحا وكفاه حزنا وكفاه مسرحيات سياسية لا تنتهي لقد حان وقت الحقيقة وحان وقت السلام وحان وقت ان يكون السودان للسودانيين نواصل بمشيئة الله بتاريخ 30/أغسطس /2026 شارك تصفّح المقالات السودان في مخاض «الشرق» الكبير؟!