هشام محمد الشريف … يكتب منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل/نيسان 2023، لم يعد الصراع محصوراً في ميادين القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بل امتد ليشمل ساحات إعلامية متعددة، تتنافس فيها سرديات متضاربة تعكس مصالح أطراف إقليمية ودولية. ومع دخول الحرب عامها الرابع، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا تظل هذه الكارثة الإنسانية – التي نزحت نحو 13 مليون شخص وأودت بحياة عشرات الآلاف – خارج دائرة الضوء الإعلامي العالمي؟ وما هي السرديات التي تشكل الرأي العام حول هذا النزاع؟ يحاول هذا المقال تفكيك الخطاب الإعلامي المحيط بالحرب السودانية، عبر رصد مواقف الفاعلين الإقليميين الرئيسيين، وتحليل أنماط التغطية، وكشف الفجوات بين الخطاب الرسمي والممارسات الميدانية. “الحرب المنسية”.. غياب متعمد أم عجز إعلامي؟ لعل أبرز ما يميز التغطية الإعلامية للحرب السودانية هو وصفها المتكرر بأنها “الحرب التي نسيها العالم” (The Forgotten War). وهذا الوصف لم يأتِ من فراغ، بل يعكس مفارقة صارخة فالسودان يحتل المراتب الأولى في قوائم الأزمات الإنسانية الأكثر تأثيراً، لكنه يحصل على تغطية إعلامية لا تتناسب مع حجم الكارثة. ويؤكد المبعوث الأمريكي الخاص إلى السودان توم بيريلو هذه المفارقة، قائلاً إن “حجم الأزمة في السودان لم يُقابَل بالاهتمام العالمي اللازم، ولا بالاهتمام الإعلامي اللازم؛ سواء في الصحافة الغربية أو الإفريقية أو العربية أو سواها”. غير أن هذا “الغياب” ليس ظاهرة عابرة؛ إذ تشير دراسات إلى أن التغطية الإعلامية للحرب السودانية تعاني من “التأطير والإرهاق الإعلامي”، حيث تُسهم طريقة عرض الخبر في تشكيل تصور الجمهور، وغالباً ما تظل المناطق البعيدة عن الخرطوم – مثل دارفور وكردفان – في شبه ظلام إعلامي. والأكثر خطورة أن الاهتمام الدولي بدارفور يستند في معظمه إلى أطر توثيقية موروثة من نزاعات 2003، لا من قراءة الحرب الأخيرة بعيون جديدة. الإمارات.. بين الخطاب الإنساني والاتهامات الميدانية تعد الإمارات العربية المتحدة أحد أكثر الفاعلين إثارة للجدل في الخطاب الإعلامي حول الحرب السودانية. فمن جهة، تنفي أبو ظبي رسمياً تزويدها أي طرف في النزاع بالسلاح، وتؤكد التزامها بالحل السياسي. وفي فبراير/شباط 2026، تعهدت الإمارات بتقديم 500 مليون دولار لصندوق أممي للمساعدات الإنسانية في السودان، في خطوة وصفت بأنها تأتي “في ظل ضغوط أمريكية”. كما دعت إلى تشكيل حكومة “مدنية مستقلة” عن طرفي النزاع. لكن هذا الخطاب الإنساني يصطدم بموجة متصاعدة من الاتهامات. ففي يناير/كانون الثاني 2026، سلّمت 115 من القوى والشخصيات السودانية البارزة – بينها حزب الأمة القومي والحزب الاتحادي الديمقراطي وتحالف قبائل المسيرية – مذكرة رسمية إلى الاتحاد الأفريقي، اتهمت فيها الإمارات بـ “الضلوع المباشر في إطالة أمد الصراع” بدعمها لقوات الدعم السريع. وتدعم هذه الاتهامات تقارير استقصائية متعددة. ففي أبريل/نيسان 2026، كشفت بي بي سي عن وجود مرتزقة كولومبيين بتمويل إماراتي ساندوا قوات الدعم السريع. وقبل ذلك، اتهمت منظمة العفو الدولية الإمارات بتزويد الدعم السريع بأسلحة صينية متطورة، في انتهاك محتمل لحظر الأسلحة. الأكثر إثارة هو ما كشفته صحيفة “الغارديان” من أن الحكومة البريطانية كانت على علم منذ عام 2024 بدعم الإمارات لقوات الدعم السريع، لكنها أحجمت عن إعلان ذلك علناً خشية الإضرار بعلاقاتها مع أبو ظبي. وتتحدث تقارير أخرى عن ضغوط إماراتية قيّدت تحرك بريطانيا، في وقت يواصل فيه الاتحاد الأوروبي تجنب توجيه اتهام مباشر لأبو ظبي. هذه الفجوة بين خطاب أبو ظبي الداعي للحل السياسي والتقارير التي ترسمها كداعم عسكري للدعم السريع، تشكل أحد أبرز تناقضات الخطاب الإعلامي في الحرب السودانية. السعودية ومصر.. الحفاظ على الدولة ومؤسساتها على النقيض من الجدل المحيط بدور الإمارات، تتبنى السعودية ومصر خطاباً أكثر وضوحاً في دعم مؤسسات الدولة السودانية، وتحديداً الجيش السوداني. السعودية تؤكد موقفها الداعي إلى “وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية”. وتشدّد الرياض على أهمية منع التدخلات الخارجية في السودان، ووقف الدعم الخارجي بالسلاح غير الشرعي والمقاتلين الأجانب. وفي خطوة تعكس عمق العلاقة، وقّعت السعودية والسودان في أغسطس/آب 2026 وثيقة إنشاء “مجلس التنسيق السعودي-السوداني”، الذي يغطي عشرة ملفات رئيسية للتعاون. أما مصر، فتذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، معلنةً “خطوطاً حمراء” في السودان، تشمل رفض تقسيم البلاد أو إنشاء كيانات موازية، وحماية مؤسسات الدولة، لا سيما الجيش الوطني. ويؤكد مندوب مصر لدى مجلس الأمن أن “تقسيم السودان أو إنشاء أي كيانات موازية للدولة خط أحمر”. ويحلل خبراء هذه التحركات المصرية على أنها رسائل موجّهة إلى قوات الدعم السريع وداعميها الخارجيين. ومع ذلك، تشير تقارير إلى أن مصر، التي كانت داعمة للجيش السوداني منذ البداية، غيرت تكتيكاتها مؤخراً نتيجة لتطور الأوضاع على الأرض. وهذا يشير إلى أن الخطاب المصري، رغم حدة لهجته، يظل مرناً في مواجهة المتغيرات الميدانية. تركيا.. المسيرات كأداة نفوذ وخطاب برز الدور التركي في الحرب السودانية عبر البعد العسكري والصناعي أكثر من البعد السياسي. فقد كشفت تقارير متعددة عن تورط تركي في دعم الجيش السوداني بالمسيّرات والأسلحة. وتشير البيانات إلى أن طائرات “أقنجي” التركية المتطورة نُشرت في مطارين على الحدود الجنوبية لمصر، مما أثار مخاوف إقليمية من تصعيد النزاع. وتعكس هذه التحركات استراتيجية تركية أوسع لتعزيز نفوذها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مستغلةً الفراغ الذي أوجدته الحرب. وتشير الاتفاقيات الموقّعة بين تركيا والسودان من 1998 إلى 2026 إلى أن حجم التعاون يزيد بأربعة أضعاف عن المتوسط مع الدول الأخرى. غير أن الخطاب التركي الرسمي يظل أكثر حذراً. فقد دعا الرئيس أردوغان إلى إنهاء الصراع عبر الحوار، معتبراً أن ما يحدث “ينهك ضمير الإنسانية”. كما طرحت أنقرة مقترحاً بتشكيل لجنة رباعية تضم تركيا وقطر إلى جانب السعودية ومصر. وهنا تبرز فجوة أخرى بين الخطاب السياسي الداعي للسلام والتدخل العسكري الميداني عبر تزويد الجيش السوداني بالمسيّرات. إثيوبيا.. من وساطة إلى اصطفاف يمثل الكشف عن معسكر تدريب لقوات الدعم السريع داخل الأراضي الإثيوبية – الذي نشرته وكالة رويترز في فبراير/شباط 2026 – نقطة تحول في فهم الدور الإثيوبي. ويقع المعسكر في منطقة “مينجي” على بعد 101 كيلومتر فقط من سد النهضة. وبحلول يناير/كانون الثاني 2026، أكدت الوثائق المسربة وجود 4300 مقاتل من الدعم السريع يتلقون تدريبات متقدمة، مع قدرة استيعابية مستهدفة تصل إلى 10 آلاف مقاتل. ويشير هذا التطور إلى تحول في الدور الإثيوبي من الوساطة الدبلوماسية نظرياً إلى تقديم دعم لوجستي شبه علني لقوات الدعم السريع، في اصطفاف متزايد مع الإمارات، في مواجهة الجيش السوداني. وتُظهر صور الأقمار الصناعية أكثر من 640 خيمة عسكرية وحاويات شحن في الموقع. ويأتي هذا التطور في وقت يتصاعد فيه التصعيد الإعلامي المتبادل بين السودان وإثيوبيا، مع اتهامات بشأن هجمات جوية غامضة تعيد التوتر بين البلدين إلى الواجهة. وقد صرّح وزير الإعلام السوداني بأن “بعض دول الإقليم أصبحت مخلب قط تمرر عبرها أجندات دولية وإقليمية”، في إشارة واضحة إلى إثيوبيا. خطاب الكراهية.. الحرب على الشاشات إلى جانب الخطاب الرسمي للدول، هناك ساحة إعلامية أخرى لا تقل خطورة: منصات التواصل الاجتماعي. فمنذ اندلاع النزاع، تحوّلت هذه المنصات إلى ساحة مفتوحة للصراع، تُستخدم فيها الكلمات والصور كأدوات للتعبئة والتحريض. وقد رصدت تقارير “سوداليتيكا” تصاعداً ملحوظاً في أنماط الخطاب العنيف المنسّق، مما أسهم في تعميق الاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل البلاد. ويؤكد باحثون من مركز كارنيغي أن جذور خطاب الكراهية في السودان ليست آنية أو عفوية، بل متراكمة منذ عقود بسبب فشل الدولة في إدارة التنوع. وتشير دراسات إلى أن خطاب الكراهية غالباً ما يضع الأساس الفكري للجرائم عبر تطبيع التعصب، ونزع الإنسانية عن مجموعات معينة، وتبرير العنف ضدها. ويصف الدكتور حسين حسن حسين واقع الخطاب الإعلامي في السودان بأنه “خطاب متدني يخاطب المشاعر أكثر من العقول”، مما يعكس أزمة أعمق في الثقافة الإعلامية السودانية. نحو قراءة نقدية للخطاب الإعلامي تكشف المقاربة التحليلية للخطاب الإعلامي حول الحرب السودانية عن حقائق عدة: أولاً، ثمة فجوة واسعة بين الخطاب الرسمي للدول الفاعلة والممارسات الميدانية، سواء في حالة الإمارات (خطاب إنساني مقابل دعم عسكري للدعم السريع) أو تركيا (خطاب سلام مقابل تزويد الجيش بالمسيّرات). تعاني الحرب السودانية من نقص حاد في التغطية الإعلامية العالمية، رغم كونها واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث. وهذا الغياب ليس محايداً، بل يعكس أولويات إعلامية تتأثر بالمصالح الجيوسياسية للدول الكبرى ووسائل الإعلام. تُستخدم منصات التواصل الاجتماعي كساحة موازية للحرب، يُعاد فيها إنتاج الانقسامات وتُضخَّم خطابات الكراهية، مما يغذي العنف على الأرض ويعقّد فرص السلام. يكشف تحليل خطابات الفاعلين الإقليميين عن تنافس محموم على النفوذ في السودان، يُستغل فيه الصراع الداخلي لخدمة أجندات خارجية، بينما يدفع السودانيون الثمن الأغلى. في النهاية، يظل السؤال المفتوح هل يمكن للإعلام أن يكون جزءاً من الحل، أم أنه سيبقى أداة لإدامة الصراع؟ الإجابة تتوقف على مدى قدرة الصحافيين والباحثين على تقديم تغطية نقدية، تتجاوز السرديات الرسمية، وتكشف تناقضات الخطاب، وتعيد إنسان الضحايا إلى مركز الاهتمام. شارك تصفّح المقالات مقاومة التغيير أم مقاومة المستقبل؟ عندما تنقلب مصالح الأمس على موجة الغد السودان والدولة المؤجلة