آدم الحاج أديب..يكتب 2 سبتمبر 2026م عندما اندلعت الحرب في السودان، لم تكن المعركة على الأرض وحدها، بل امتدت إلى الحقوق والخدمات ومقومات الحياة. فبدل أن تقف الدولة إلى جانب مواطنيها في مناطق الحرب وتحمي حقوقهم، اتجهت سلطة الأمر الواقع في بورتسودان إلى سياسات حرمان وتصنيف طالت المواطنين في مناطق سيطرة الدعم السريع، وكأن حرمانهم من حقوقهم وخدماتهم سيدفعهم إلى الهجرة العكسية، ويجرد الدعم السريع من أي حاضنة اجتماعية. لكن النتيجة جاءت عكسية؛ إذ تحول الحرمان من وسيلة للإخضاع إلى مصدر قوة وإلهام لاستعادة الحقوق المسلوبة، وإلى دافع للتحرر من تبعية الخنوع والخضوع والإذلال، والتمسك بالحقوق المشروعة التي تفرضها المواطنة. ولم تقف المسألة عند حدود حرمان المواطنين من الخدمات والحقوق، بل تجاوزتها إلى ممارسات وتصنيفات طالت أبناء غرب السودان على أساس أسمائهم وجغرافياتهم وقبائلهم، فيما عُرف في الخطاب الشعبي والحقوقي بـ «قانون الوجوه الغريبة»؛ فأصبح الاسم والجغرافيا والانتماء القبلي مدخلًا للاشتباه والتمييز. وكانت المفارقة المؤلمة أن أبناء غرب السودان، الذين ظلوا تاريخيًا يشكلون قاعدة بشرية كبيرة في القوات المسلحة وعمادًا مهمًا من أركانها، وجدوا أنفسهم في لحظة الحرب موضع تصنيف وشبهة وتمييز، بدل أن تكون الدولة ومؤسساتها حامية لهم ولحقوقهم كمواطنين. فكيف يُكافأ مواطن حمل السلاح دفاعًا عن وطنه وخدم في مؤسساته العسكرية بأن يُعامل باعتباره «وجهًا غريبًا» في وطنه؟ وكيف يمكن لدولة أن تنتصر في حرب وهي تدفع قطاعات من مواطنيها إلى الشعور بأن المواطنة نفسها أصبحت موضع اختبار؟ والأكثر مفارقة أن الحرب رُفعت تحت شعار «حرب الكرامة»، بينما كان السؤال الذي يفرض نفسه على الواقع: أهي حرب الكرامة أم حرب الكرامة ضد الكرامة؟ فالكرامة لا تتجزأ، ولا يمكن أن تكون كرامة المواطن في مدينة وامتهان المواطن في مدينة أخرى. ولا يمكن أن يصبح الاسم أو القبيلة أو الجغرافيا سببًا في انتقاص الحقوق. فإذا كانت الكرامة هي عنوان الحرب، فإن أول اختبار لها هو كرامة الإنسان وحقه في المواطنة المتساوية. إن أخطر ما يمكن أن تفعله الدولة في زمن الحرب هو تحويل الخلاف السياسي والعسكري إلى تصنيف اجتماعي وجغرافي للمواطنين؛ لأن ذلك لا يهزم الخصم، بل يهدم الجسر الذي يجمع الدولة بمواطنيها. والطغاة، في كل زمان، يستدعون قانون الجبروت باعتباره سنة من سنن الاستبداد، ويستحضرون لغة فرعون التي صورها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ وقوله تعالى: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ تلك هي لغة السلطة التي لا ترى في المواطنين شركاء في الوطن، وإنما رعايا عليها أن تسمع وتطيع. وقد عرفت السياسة السودانية خلال السنوات الماضية عبارات تختزل هذا المنطق الاستعلائي، من بينها عبارة «ألحس كوعك» التي ارتبطت بخطاب التحدي للثوار، كما تكررت لغة التحدي والإنكار في خطابات سياسية وعسكرية لاحقة. فهل استطاعت مدرسة الاستبداد الفرعوني أن تحقق عدلًا؟ وهل استطاعت القوة وحدها أن تمنح أي نظام حق البقاء؟ يجيب القرآن الكريم: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. ويقول سبحانه: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. لكن القرآن لا يكتفي بعرض صورة الاستبداد ومصيره، وإنما يكشف لنا في السياق نفسه عن سُنّة أخرى في التاريخ؛ سُنّة انتقال المستضعفين من موقع القهر إلى موقع التمكين، فيقول تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. وهذه الآية، في سياق قصة موسى وفرعون، تحمل دلالة بالغة على أن الاستضعاف ليس قدرًا أبديًا، وأن الاستبداد مهما امتلك من القوة لا يستطيع إلغاء سنن التاريخ والعدل الإلهي. فدورة الطغيان لها نهاية، كما أن دورة الاستضعاف يمكن أن تنتهي حين تتغير موازين القوة والإرادة والوعي. ومن هنا يمكن فهم التحول الذي شهدته مناطق الهامش باعتباره، في نظر أنصار مشروع التغيير، انتقالًا من مرحلة المطالبة بالحقوق إلى مرحلة محاولة بناء مؤسسات تستعيد تلك الحقوق وتقدم الخدمات للمواطنين. فما أرادته سياسة الإقصاء أن يكون وسيلة لإخضاع المواطنين، تحول إلى حافز لبناء البديل واستعادة الحقوق والخدمات. وفي هذا السياق، جاءت حكومة السلام «تأسيس» لتعلن، وفق خطابها، أن التعليم والخدمات ليست امتيازات سياسية، وإنما حقوق أصيلة للمواطنين. ومن أبرز صور ذلك إعلان نتيجة الشهادة السودانية، لتعود فرحة النجاح إلى البيوت والأسر، ويستعيد الطلاب حقهم في الاحتفال بمستقبلهم رغم الحرب. إن إعلان نتيجة الشهادة ليس مجرد حدث تعليمي؛ بل هو رسالة سياسية واجتماعية عميقة: أن الحرب لا تستطيع أن تقتل المستقبل، وأن التعليم لا ينبغي أن يكون رهينة لخريطة السيطرة العسكرية. لقد خرجت النتيجة من قاعات الامتحانات إلى البيوت، وحملت معها الفرح والسرور والأمل. وهذه الأخلاق والقيم وحدها كافية لتقول إن معركة المستقبل لا تُحسم بالسلاح وحده، وإنما بالعدل والتعليم والخدمات والكرامة. إن التاريخ لا يعيد نفسه بالضرورة، لكنه يعيد إنتاج الأسئلة الكبرى: سؤال العدالة، وسؤال المساواة، وسؤال الدولة التي تكون لجميع مواطنيها. ومن هنا فإن فرحة الطلاب بالنجاح ليست فرحة عابرة؛ إنها انتصار صغير للحياة في وجه الموت، وللتعليم في وجه الحرب، وللإرادة في وجه الحرمان. إنها لحظة تقول بوضوح: حين تُغلق أبواب الحقوق، تفتح الشعوب أبواب الإرادة؛ وحين تُحاصر الكرامة، تتحول الكرامة إلى مشروع تحرر. ألف مبروك لكل طلابنا وطالباتنا الناجحين في الشهادة الثانوية، ولكل الأسر التي صنعت من الألم أملًا، ومن الانتظار فرحة، ومن التعليم جسرًا إلى المستقبل. ولتبقَ الكرامة كرامة الجميع، والوطن وطن الجميع، والحق حقًا للجميع. شارك تصفّح المقالات من كسر الطوق التعليمي إلى بناء دولة جديدة عندما تتجلّى الفلسفة في الوصف: حين يصبح الضابط هو الدولة