د. دقاش حسب الله دقاش…يكتب

 

لم يكن موقف مفوضية الاتحاد الأفريقي الذي أُعلن في 31 أغسطس 2026 بشأن مبادرة الحوار السوداني–السوداني مجرد بيان دبلوماسي عابر بل هو موقف سياسي يستحق التوقف عنده ومساءلته فقد رحبت المفوضية بإطلاق المبادرة واعتبرتها خطوة يمكن أن تسهم في تقريب مواقف السودانيين وتهيئة الظروف لإنهاء الحرب واستعادة السلام والاستقرار كما دعت إلى مشاركة القوى المدنية والسياسية والمجتمعية والسؤال هنا ليس هل نحن ضد الحوار فبالطبع لا فالحوار هو الطريق الطبيعي لمعالجة الأزمات السياسية ولا يمكن بناء دولة مستقرة من دون حوار وطني شامل لكن القضية الأساسية هي أي حوار ومتى يبدأ ومن يحدد أجندته ومن يشارك فيه وما الشروط التي يجب أن تسبقه وهنا تحديداً يبدأ خلافنا مع موقف الاتحاد الأفريقي.

 

إن السودان يعيش حرباً لم تتوقف وأزمة إنسانية وسياسية واجتماعية عميقة ولذلك فإن الانتقال مباشرة إلى عنوان الحوار الوطني قبل معالجة الظروف التي أنتجت الحرب وقبل توفير الحد الأدنى من البيئة اللازمة لحوار حر ومتوازن قد يجعل العملية السياسية تتحول من وسيلة لإنهاء الصراع إلى وسيلة لإدارته وإعادة إنتاجه والترتيب الصحيح في تقديرنا يبدأ بوقف الحرب وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية وتهيئة المناخ السياسي ثم إطلاق حوار وطني شامل وحقي يشارك فيه السودانيون بمختلف مكوناتهم السياسية والمدنية والمجتمعية أما أن يبدأ الحوار في ظل استمرار الحرب وفي ظل واقع سياسي وعسكري مختل وفي ظل غياب توافق وطني واسع حول المبادرة فإن ذلك يضع علامات استفهام جدية حول طبيعة الحوار ومدى استقلاله وقدرته على الوصول إلى نتائج مقبولة من جميع السودانيين.

 

لقد أعلن قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان مبادرته للحوار السوداني–السوداني وتحدث عن آلية مستقلة للإشراف عليه وعن ضمانات للمشاركين لكن مجرد الإعلان عن استقلال الآلية لا يكفي لإثبات استقلالها فالاستقلال الحقيقي يُقاس بطريقة تشكيلها ومعايير اختيار أعضائها وكيفية تحديد المشاركين ومن يضع أجندة الحوار ومدى قدرة الأطراف المختلفة على المشاركة بحرية وما إذا كانت النتائج ستُترك لإرادة المتحاورين أم ستُوجه مسبقاً وهنا كان ينبغي للاتحاد الأفريقي أن يكون أكثر حذراً وكان يمكن للمفوضية أن ترحب بمبدأ الحوار لكنها في الوقت نفسه تضع شروطاً واضحة لنجاحه وفي مقدمتها وقف الحرب وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية وتوفير الحريات السياسية وضمان المشاركة الواسعة والمتوازنة أما الترحيب بالمبادرة باعتبارها خطوة نحو إنهاء الحرب قبل التأكد من توافر شروط الحوار الحقيقي فإنه قد يعطي انطباعاً بأن المؤسسة الإقليمية تتعامل مع إطلاق المبادرة باعتباره تقدماً سياسياً في حد ذاته وهنا يكمن الخلل فالوساطة ليست مجرد الترحيب بأي مبادرة تحمل عنوان السلام أو الحوار وإنما تتمثل في ضمان أن تكون المبادرة نفسها جزءاً من عملية قادرة على إنتاج سلام حقيقي ومستدام.

 

إن الحوار الذي لا يوقف الحرب لا يمكن أن يكون بديلاً عن وقف الحرب والحوار الذي لا يوفر حماية للمدنيين لا يمكن أن يكون مدخلاً كافياً للسلام والحوار الذي لا يضمن مشاركة حقيقية للقوى السياسية والمدنية والمجتمعية كافة لا يمكن أن يدعي تمثيل الشعب السوداني بأكمله والحوار الذي يبدأ من داخل بيئة الحرب وتحت تأثير موازين القوة القائمة معرض لأن يتحول إلى ترتيب سياسي جديد للمشهد بدلاً من أن يكون مدخلاً لمعالجة جذور الأزمة وإن السودان لا يحتاج إلى حوار من أجل الحوار وإنما يحتاج إلى عملية سياسية تنهي الحرب وتؤسس لسلام مستدام ودولة مدنية ديمقراطية.

 

ومن هنا يبرز سؤال أكبر أمام الاتحاد الأفريقي هل يكفي إطلاق أي مبادرة للحوار للحصول على مباركة المؤسسات الإقليمية بصرف النظر عن الظروف التي تحيط بها فإذا كان الأمر كذلك فإننا أمام مشكلة حقيقية في فهم معنى الوساطة ودورها فالحياد لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من جميع المواقف مهما كانت نتائجها على المدنيين والسلام والحياد لا يعني قبول أي مسار سياسي لمجرد أنه يرفع شعار الحوار فالوساطة الحقيقية يجب أن تنحاز إلى مبادئ السلام وحماية المدنيين والشمول السياسي ورفض فرض الأمر الواقع بالقوة والاتحاد الأفريقي يعرف ذلك جيداً كما أن مواقفه السابقة تجاه الأزمة السودانية أكدت أهمية وقف الحرب والحوار الشامل والوصول إلى تسوية سياسية تفضي إلى حكم مدني ديمقراطي.

 

ومن ثم فإن السؤال المشروع هو إذا كان الهدف هو السلام فلماذا لا يبدأ المسار من السلام نفسه ولماذا لا يكون وقف إطلاق النار هو المدخل الأول ولماذا لا تكون حماية المدنيين هي الاختبار الأول ولماذا لا تكون المساعدات الإنسانية وعودة النازحين واللاجئين وتهيئة البيئة السياسية جزءاً من شروط الانتقال إلى الحوار ولماذا يُطلب من السودانيين الدخول في حوار سياسي بينما الحرب ما زالت مستمرة وآثارها تلاحق ملايين السودانيين إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول كلمة الحوار إلى غطاء سياسي لاستمرار الحرب وأن تتحول كلمة الوطنية إلى وسيلة لإقصاء المختلفين وأن تتحول كلمة السلام إلى عنوان لإعادة إنتاج ترتيبات سياسية لم يوافق عليها الشعب السوداني والحوار الوطني الحقي لا يصنعه طرف واحد ولا تحدد السلطة وحدها المشاركين فيه ولا تضع وحدها أجندته ومخرجاته فالحوار الحقي يجب أن يكون ملكاً للشعب السوداني وأن يشارك فيه أصحاب المصلحة كافة دون إقصاء أو تخوين أو فرض نتائج مسبقة.

 

ومن هنا فإن القوى السياسية والمدنية التي ترفض الدخول في حوار قبل وقف الحرب لا ترفض الحوار من حيث المبدأ وإنما ترفض قلب ترتيب الأولويات وهذا فرق جوهري فنحن لسنا ضد الحوار وإنما ضد الحوار الذي يأتي قبل السلام ولسنا ضد المشاركة السياسية وإنما ضد المشاركة التي تُستخدم لإضفاء شرعية على مسار سياسي غير مكتمل ولسنا ضد الاتحاد الأفريقي وإنما نطالبه بأن يقوم بدوره الأفريقي الحقيقي وأن يكون طرفاً ضامناً لسلام عادل وشامل لا مجرد جهة ترحب بالمبادرات السياسية وكان ينبغي أن يكون ترحيب المفوضية مشروطاً وكان ينبغي أن تقول بوضوح إن أي حوار سوداني يجب أن يستند إلى معايير أساسية في مقدمتها وقف الحرب وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية وتوفير الحريات السياسية وضمان المشاركة الشاملة واستقلال آلية الحوار وعدم فرض النتائج مسبقاً والالتزام بمسار يقود في نهايته إلى حكم مدني ديمقراطي.

 

أما ترك هذه القضايا الجوهرية جانباً والتركيز على إطلاق الحوار فإنه يضع الاتحاد الأفريقي أمام مسؤولية سياسية كبيرة لأن نجاح أي عملية سياسية لا يقاس بقدرتها على جمع الأطراف حول طاولة واحدة وإنما بقدرتها على إنهاء الحرب ومعالجة أسبابها ومنع تجددها فالخطأ ليس في أن يدعو السودانيون إلى الحوار وإنما في أن تتحول الدعوة إلى الحوار إلى بديل عن السلام والخطأ ليس في أن يسعى الاتحاد الأفريقي إلى تقريب السودانيين وإنما في أن يبارك مساراً لم تتوفر له بعد الشروط التي تجعل منه حواراً وطنياً حقياً وإن الاتحاد الأفريقي أمام اختبار حقيقي في السودان فإما أن يكون مؤسسة قارية تدافع عن السلام والانتقال الديمقراطي والعدالة السياسية وتعمل على بناء عملية سياسية متوازنة وشاملة وإما أن يتحول من حيث لا يريد إلى مؤسسة تتعامل مع الأمر الواقع وتكتفي بمباركة المبادرات التي تأتي من داخل مراكز القوة.

 

والسودان لا يحتاج إلى مجاملة دبلوماسية جديدة وإنما يحتاج إلى موقف أفريقي شجاع وواضح فنحن نحتاج إلى اتحاد أفريقي يقول لكل الأطراف أوقفوا الحرب أولاً واحموا المدنيين وافتحوا الطريق أمام المساعدات الإنسانية ثم اجلسوا إلى طاولة الحوار دون إقصاء ودون فرض نتائج مسبقة ودون استخدام الحوار لإعادة إنتاج السلطة بالقوة فهذه هي الوساطة التي يحتاجها السودان وهذا هو الدور الذي ينبغي أن يقوم به الاتحاد الأفريقي أما أن يصفق الاتحاد الأفريقي لحوار لم يوقف الحرب فإن ذلك يبعث برسالة سياسية خاطئة ويجعل المؤسسة القارية تبدو وكأنها تتعامل مع عنوان المبادرة أكثر مما تتعامل مع جوهر الأزمة.

 

إن السودان لا يحتاج إلى تمثيلية سياسية جديدة وإنما يحتاج إلى سلام حقيقي ولا يحتاج إلى حوار شكلي وإنما إلى حوار وطني شامل ولا يحتاج إلى إعادة تدوير السلطة وإنما إلى تأسيس دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة والعدالة وسيادة القانون ولذلك فإننا نختلف بوضوح مع موقف مفوضية الاتحاد الأفريقي من المبادرة الحالية ونرى أن الترحيب بها كان ينبغي أن يكون مشروطاً بضمانات واضحة وفي مقدمتها وقف الحرب وحماية المدنيين وتهيئة البيئة السياسية وضمان الشمول الحقي واستقلال عملية الحوار ومع ذلك فإن الاتحاد الأفريقي يستطيع تصحيح موقفه وتحويل ترحيبه الأولي إلى موقف أكثر توازناً من خلال التأكيد أن الحوار يجب أن يكون جزءاً من عملية سلام متكاملة لا بديلاً عن وقف الحرب فالسودان لا يحتمل مزيداً من التجارب السياسية لقد دفع الشعب السوداني ثمناً باهظاً من الدم والتهجير والدمار والانهيار الاقتصادي والاجتماعي ولذلك فإن أي عملية سياسية جديدة يجب أن تكون مختلفة عن سابقاتها وأن تبدأ من احتياجات الشعب السوداني لا من احتياجات السلطة.

 

وفي النهاية فإن السؤال الذي نضعه أمام الاتحاد الأفريقي ليس معقداً هل تريدون حواراً ينهي الحرب أم حواراً يسبق إنهاء الحرب فالفرق بين الاثنين هو الفرق بين عملية سلام حقيقية وتمثيلية سياسية والسودان اليوم لا يحتمل التمثيليات فالسودان يحتاج إلى السلام أولاً ثم الحوار ثم الانتقال المدني الديمقراطي أما أن يبدأ الحوار قبل أن تتوقف الحرب فذلك ليس بالضرورة طريقاً إلى السلام وقد يتحول إلى طريق جديد لإطالة الأزمة.

 

 

الموافق 1 سبتمبر 2026م

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *