عبدالعزيز بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان …يكتب في السودان لم تعد الحرب تكتفي بأن تقتل الانسان بالرصاص والقذائف والطائرات فقد وصل الاتهام إلى مستوى أشد خطورة وهو استخدام مواد كيميائية محظورة دوليا ضد البشر وكأن بعض من يديرون هذه الحرب قرروا أن يجربوا كل ما حرمته القوانين وكل ما يخيف الضمير الانساني ثم يطلبون من العالم أن يصدق أن كل ذلك مجرد دعاية سياسية هذه ليست قصة اخترعها خصوم الجيش اليوم فالاتهامات تعود إلى دارفور وإلى جبل مرة تحديدا ففي عام 2016 نشرت منظمة العفو الدولية تحقيقا قالت فيه إن لديها أدلة ذات مصداقية على هجمات متكررة يشتبه في استخدام أسلحة كيميائية فيها ضد المدنيين وبينهم أطفال وقدرت عدد من ربما ماتوا نتيجة التعرض للمواد الكيميائية بين مئتين ومئتين وخمسين شخصا كما تحدثت عن عشرات الهجمات المشتبه بها المفارقة السودانية المؤلمة أن الدولة التي يفترض أن تحمي مواطنيها وجدت نفسها منذ سنوات تواجه اتهامات باستخدام مواد محرمة ضدهم ثم تدخل في نقاش طويل حول من قال وماذا قال بدل أن تقول ببساطة افتحوا الأبواب للخبراء ودعوا العلم يتحدث وفي مايو 2025 ذهبت الولايات المتحدة إلى أبعد من مجرد الاتهام السياسي عندما أعلنت أنها خلصت إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024 وقررت اتخاذ إجراءات بموجب قانون الولايات المتحدة الخاص بالأسلحة الكيميائية والبيولوجية كما أعلنت قيودا على الصادرات وخطوط الائتمان الحكومية وطلبت من السودان وقف أي استخدام للأسلحة الكيميائية والالتزام باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية والحكومة السودانية نفت الاتهامات رسميا واحتجت لدى مجلس الأمن ووصفتها بأنها باطلة وطالبت بالتعامل معها عبر الآليات الدولية المختصة وهذا تحديدا هو المكان الذي يجب أن تبدأ منه الحقيقة لا أن تنتهي عنده فالكلور مادة يمكن أن تكون لها استخدامات مدنية مشروعة ولكن تحويل المواد الكيميائية إلى وسيلة لإيذاء البشر شيء آخر تماما والقانون الدولي لا يمنح أحدا رخصة لتحويل خزانات المياه إلى قنابل أو تحويل حاجة المدنيين إلى الماء إلى وسيلة للموت اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية التي يعمل في إطارها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ليست منشورا سياسيا ولا بيانا صحفيا إنها منظومة دولية قائمة على التحقيق والتحقق والعينات والأدلة وسلسلة الحيازة والخبرة الفنية ولذلك فإن المطلوب ليس محاكمة الناس على صفحات التواصل الاجتماعي ولا تبرئة المتهمين عبر المؤتمرات الصحفية وإنما فتح تحقيق مهني مستقل يسمح للخبراء بفحص المواقع وبقايا الذخائر والعينات البيئية والطبية ومقارنة النتائج بما تقوله الشهادات والصور والوثائق وهنا تكمن المفارقة التي يصعب على أي خطاب دعائي أن يخفيها فإذا كان الاتهام كاذبا فلماذا الخوف من التحقيق وإذا كان الجيش واثقا من براءته فإن أفضل سلاح للدفاع عنه ليس البيانات بل السماح للخبراء بالدخول وجمع الأدلة وإذا ثبت العكس فلا يمكن أن تتحول رتبة الضابط أو موقعه السياسي إلى حصانة من المسؤولية أما الضحية فلا يهمها كثيرا اسم السلاح ولا اسم الجهة التي أطلقت القذيفة الضحية تريد أن تعرف لماذا اختنق طفلها ولماذا احترق جلد امرأة ولماذا مات رجل وهو يحاول الوصول إلى الماء ولماذا أصبحت رائحة الهواء نفسها مصدرا للخوف السودان يعيش حربا تجاوزت حدود الصراع العسكري إلى تدمير المجتمع والدولة والاقتصاد والقرى والمدن والمستشفيات ومصادر الغذاء والماء وفي سبتمبر 2026 ما زالت الأمم المتحدة تحذر من اتساع دائرة الانتهاكات ومن استمرار تدفق السلاح والدعم العسكري ولهذا فإن ملف الأسلحة الكيميائية لا ينبغي أن يتحول إلى معركة جديدة بين مؤيدي الجيش وخصومه فالمسألة أكبر من الجيش وأكبر من الدعم السريع وأكبر من أي تنظيم سياسي إنها مسألة تتعلق بحق السودانيين في أن يعيشوا دون أن يخافوا من السماء ومن الماء ومن الهوا والمتوقع من المجتمع الدولي إذا تأكدت الأدلة ليس مجرد بيان قلق جديد فقد بدأت الولايات المتحدة بالفعل بالعقوبات ويمكن أن تتوسع الإجراءات السياسية والاقتصادية وأن تزداد الضغوط على القيادة العسكرية وأن يصبح التعاون مع آليات التحقيق الدولية معيارا لأي انفتاح دبلوماسي كما يمكن أن تتجه الأدلة الموثقة إلى مسارات المساءلة الجنائية الدولية بحسب الولاية القضائية والأدلة والمسؤولية الفردية لكن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يعتاد العالم على فكرة أن السودان يستطيع أن يحترق بكل أنواع الأسلحة دون أن يتحمل أحد المسؤولية السودان ليس مختبرا للأسلحة ولا شعبه حقلا للتجارب والجيش الذي يقول إنه يدافع عن الدولة عليه أن يدافع أولا عن حياة السودانيين والقانون الذي يحظر السلاح الكيميائي لا يميز بين مواطن يحمل بندقية ومواطن يحمل طفلا لقد آن الأوان لأن يتوقف الجميع عن سؤال من ينتصر في الحرب وأن يبدأوا بسؤال أكثر إنسانية من سيحاسب من قتل الانسان السوداني بالسلاح الكيميائية فالذين يحاربون باسم الدولة عليهم أن يتذكروا أن الدولة ليست الطائرة ولا المدفع ولا القصر الجمهوري الدولة هي الانسان وإذا تحول الماء إلى سلاح والهواء إلى وسيلة قتل فإن القضية لم تعد قضية حرب فقط بل قضية وطن يجري خنقه أمام أعين العالم نواصل بمشيئة الله بتاريخ 10 /ديسمبر /2026 شارك تصفّح المقالات هل يبحث مناوى عن وطن بديل؟ تأملات في شبكة الغيب؟!